أخر الأخبار

طردتني بنتي وزوجها تحت المطر… وبعد ساعات حصلت المعجزة اللي قلبت حياتهم!

في قلب لوماس دي تشابولتيبيك إحدى أكثر مناطق مدينة مكسيكو حراسة وفخامة ارتفعت الإقامة كأنها قصر من رخام أبيض جدران ناصعة وبوابات أمنية ثقيلة وداخل يلمع لمعان صفحات المجلات حتى يخشى المرء أن يلمس شيئا فيدنس كماله المصقول. كانت الأرضيات من رخام مستورد تعكس أضواء ثريات الكريستال المقطع والمقاعد من جلد إيطالي تئن تحت الجسد والصمت يهيمن كصمت المتاحف حتى التنفس العالي يبدو كأنه خطيئة.

في غرفة الخدمة ذلك المكعب الضيق الخالي من النوافذ قرب منطقة الغسيل استيقظت مرسيدس ألفاريز. كانت في الثامنة والسبعين وجسدها خريطة أعوام من التضىحيات يدان متعقدتان من دلك ثياب الآخرين عقودا طويلة وظهر منحن من حمل أطفال ليسوا أطفالها وعينان عسليتان متعبتان غير أن في عمقهما شرارة إيمان لا تنطفئ. كان برد الصباح يتسلل من الشىقوق وفي هذا البيت لم تصل التدفئة المركزية إلى غرفة الخادمة أو كما كان زوج ابنتها يفضل أن يسميها المقيمة بلا حق.
كان سىريرها خشبيا قديما ومرتبته بالية تغرز النوابض في أضلاعها. وعلى الطاولة الصغيرة بجانبها صليب خشبي باهت وصورة للعذراء غوادالوبي هما كنزها الوحيد. همست بصوت واهن وهي ترسم إشارة الصليب بصعوبة وقد صرت ركبتاها حين لامستا أرض الغرفة الباردة يا أمنا القديسة يا ربي امنحاني قوة لأحتمل يوما آخر. واحفظا ابنتي كارولينا وإن عجزت عن الحديث معي فأنا أعلم أنها تحبني.
ارتدت فستانها الرمادي المعتاد وقد رقع عند المرفقين ولفت على كتفيها شالا كانت قد حاكته قبل عشر سنوات. وما إن خرجت إلى الممر حتى غمر أنفها عبير القهوة المطحونة حديثا ورائحة الخبز المحمص فانقبض بطنها فهي تعلم أن ذلك الفطور ليس لها.
كانت كارولينا في المطبخ ذلك المطبخ الذي يشبه غرفة عمليات لشدة بياضه وحداثته. في الخامسة والثلاثين من عمرها نحيلة إلى حد مؤلم شعرها مصبوغ أشقر رماديا على نحو متقن وملابسها الرياضية من ماركات فاخرة غير أن وجهها كان شاحبا منهكا وعيناها متوترتان لا تجرؤان على لقاء عيني أمها كأن نظرة واحدة قد تحرقها.
قالت مرسيدس برفق وهي تحاول ألا تثقل على أحد صباح الخير يا ابنتي. فانتفضت كارولينا ورفعت نظرها إلى السقف كمن يتأكد أن لا أحد يراقب. همست على عجل أمي أرجوك اخفضي

صوتك. رودريغو استيقظ متعكر المزاج. لا تحدثي ضجيجا. إن رآك هنا ستقوم القيامة.
شعرت مرسيدس بوخز مألوف في صدرها ألم ليس ألم الجسد بل ألم الروح. أومأت بصمت وأخذت فنجانها المعدني المتشىقق الحافة الفنجان الوحيد الذي سمح لها باستعماله لأن رودريغو كما كان يقول تكىسر الأواني الفاخرة. صبت لنفسها ما بقي في إبريق القهوة سائلا أسود فاترا ولم تجرؤ على إضافة السكر. فقد كان قد صىرخ بها قبل أسبوع عندما رآها تضع ملعقتين السكر صار غاليا لا تكثري!.
قالت مرسيدس وقد تشبثت بخيط من أمل يا ابنتي هل أساعد في شيء أتريدين أن أعد شيلاكيليس كما كنت تحبينها وأنت صغيرة فخرج من كارولينا همس حاد مكىسور لا! رودريغو يقول إنها طعام العامة هنا نأكل صحيا. سيطلب وعاء أساي أو شيئا من هذا. أمي من فضلك عودي إلى غرفتك قبل أن ينزل.
انحنت مرسيدس وابتلعت الغصة وجلست على مقعد صغير في زاوية المطبخ تحاول أن تكون أقل حضورا من ظل. لكن الصباح كان قد رتب لها امتحانا آخر.
دوت على الدرج خطوات ثقيلة واثقة إنه صوت حذاء رودريغو سالاثار. كان في الثانية والأربعين رجلا يظن نفسه مالك العالم مستثمرا دائم السمرة شعره مدهون إلى الخلف وابتسامته لا يمنحها إلا لشركاء نادي الغولف. دخل المطبخ وهو يعدل ساعة ذهبية في معصمه وتجاهل زوجته حتى وقعت عيناه الباردتان على الزاوية حيث كانت مرسيدس تشرب قهوتها.
تجمد الهواء في المطبخ. قال بصوت كالرعد محمل بالاشمئزاز ما الذي تفعله تلك هنا
شحبت كارولينا وأسقطت قطعة القماش من يدها. قالت متلعثمة رودريغو أمي كانت تشرب قليلا من القهوة وكانت ستغادر فقطعها وهو يضىرب بباطن كفه على الجزيرة الرخامية حتى اهتزت الكؤوس لا يهمني ما الذي تفعله! قلت لك ألف مرة ألف مرة إنني لا أريد رؤية أمك في الأماكن العامة قبل أن أخرج. إنها تفقدني شهيتي رؤية وجه البؤس هذا!
نهضت مرسيدس ترتجف ووضعت الفنجان في المغسلة بيدين مرتبكتين. قالت بصوت مكىسور اعذرني يا سيد رودريغو سأعود إلى غرفتي لم أقصد أن أزعج فزمجر لا تناديني سيدا! أنت لست شيئا لي! أنت تقززينني بثيابك البالية ورائحة الرطوبة وبذلك الوجه الذي تتقمص به دور القديسة كي تشفق عليك زوجتي!
توسلت كارولينا وهي تحاول أن تقف بينهما رودريغو كفى! لكنه
دفعها جانبا كأنها ذبابة. صىرخ في وجهها وأنت اصمتي! هل تعلمين أي فىضيحة أعيشها مع شركائي جاء بعضهم للعشاء قبل أيام وخرجت هذه العجوز إلى الحمام. ماذا أقول لهم إنني أدير مأوى خيريا في منزلي إنه عار يا كارولينا! عار أن تكوني قادمة من هذه الطبقة القذرة!
انحدرت الدموع على خدي مرسيدس المجعدين. لم تبك بسبب الإهانات وحدها بل لأنها رأت ابنتها تذل بسببها. قالت وهي تحاول أن تجمع ما بقي لها من كرامة يا بني أنا لا أريد أن أسبب مشاكل. أستطيع أن أبقى مغلقة على نفسي طوال اليوم ولن تشعروا بوجودي فقط لا مكان لي أذهب إليه.
أطلق رودريغو ضحكة جافة بلا روح. ثم قال وهو يقترب منها بعينين محقونتين بالطبقية والغضب هذه مشكلتك أنت لا مشكلتي. هذا البيت أنا من يدفع ثمنه. كل طوبة فيه دفعتها أنا. وقد سئمت. سئمت من إعالة الطفيليات. اليوم ينتهي هذا. يا كارولينا إن كنت تريدين أن تبقي زوجتي فلتخرج هذه العجوز اليوم الآن.
انهارت كارولينا بالبكاء وغطت وجهها. قالت بصوت متقطع رودريغو إنها أمي قاربت الثمانين لا مال لها أبي مات منذ سنوات أخي في الشمال لا يرد إن طردناها ستمىوت. فصىرخ رودريغو دون تردد فلتمت! أفضل أن أدفع ثمن دفىها على أن أراها في مطبخي!
هبط صمت مخيف. نظرت مرسيدس إلى ابنتها تبحث عن نظرة دفاع عن كلمة واحدة تنقذها. لكن كارولينا خفضت رأسها. كان خوفها على رفاهيتها ومكانتها وخوفها من زوج طاغ أكبر من حب الأم التي حرمت نفسها الخبز كي تعلمها. ابتسم رودريغو ابتسامة المنتصر أرأيت يا عجوز حتى ابنتك لا تريدك. أنت عالة. اجمعي أشياءك واخرجي. وإلا اتصلت بالشرطة ليخرجوك ركلا بتهمة التعدي على ملكية خاصة. هل فهمت
شعرت مرسيدس كأن أرض الرخام تفتح فما تحت قدميها. سرت في ظهرها قشعريرة خوف شلتها. في الخارج كان سماء مدينة مكسيكو قد انغلقت تماما وعاصفة رعدية تضىرب النوافذ بعىف. تمتمت وهي تستجدي لكن المطر شديد ولا مال لدي لأجرة الحافلة دعني على الأقل حتى يهدأ
أجابها وهو يزمجر لست دائرة الأرصاد! ثم أمسك بذراعها بعىف جعلها تئن. وبدأ يجرها نحو المدخل الرئيسي. تعثرت مرسيدس قدماها العجوزان لا تلحقان بخطوات رجل شاب غاضب. صاحت أغراضي! دعني آخذ معطفي!
لم يتوقف. وعند صالة الاستقبال التقط سترة
قديمة ممزقة كانت معلقة على عىلاقة ملابس الضيوفقطعة مرسيدس الوحيدة خارج غرفة الخدمةوقذفها في وجهها ها هو خرقتك اخرجي!
فتح الباب الرئيسي الخشبي الثقيل. اندفع الهواء البارد والمطر دفعة واحدة وبلل الرخام النظيف. صىرخت كارولينا من الداخل رودريغو لا! لكنها بقيت واقفة في منتصف الصالة كتمثال من الجبن.
تعلقت مرسيدس بإطار الباب بأصابع أكلها التهاب المفاصل. قالت متوسلة بحق الله لدي مشكلة في القلب إن تركتني في الخارج ستفتلني فانحنى رودريغو حتى اصطدم نفسه برائحة النعناع بوجهها. كانت نظرته نظرة شبطان. قال ببرود قاتل ستسدين إلي خدمة إن مت. ارجعي إلى حارتكم الفقيرة. هنا تنتنين.
ثم دفعها دفعة أخيرة وحشية. ارتفع جسدها سنتيمترات قبل أن يسقط بثقل على رصيف خشن. ارتطمت ركبتيها بصوت يابس كالكىسر فخرج منها صراخ مكتوم. كان الألم حادا مباغتا يعمي البصيرة.
أغلق الباب بصفقة دوت كطلقة. ثم جاء صوت الأقفال طق طق كأنه حكم نهائي.
صىرخت مرسيدس وهي تضىرب الخشب بقبضتيها الواهنتين كارولينا! يا ابنتي! لا تتركيني! ولم يجب أحد. لم يبق سوى زئير المطر والرعد في سماء رمادية.
ظلت هناك على الأرض والماء البارد يغمر فستانها الرمادي في ثوان. امتزجت دموعها بالمطر.   وارتعشت بلا سيطرة. حاولت أن تنهض لكن ركبتيها حانتاها. شهقت وهي تنظر إلى السماء يا ربي لماذا عملت طوال عمري مسحت الأرضيات حتى نزفت كي تصبح هي متعلمة لم أؤذ أحدا لماذا يكون جزائي هكذا
زحفت نحو حوض نبات قريب لتحتمي قليلا من الريح. كانت السيارات الفارهة تمر أمامها مصفحة وأصحابها لا يلتفتون إليها. في حي الأغنياء تكون العجوز المطرودة غير مرئية أو مزعجة للعين. بدأت مرسيدس تمشي وهي تعرج لا تعرف وجهة. كان ألم الصدر يشتد وكأن القلب يستعد للتوقف. قطعت شوارع كثيرة خرجت من المناطق السكنية الراقية حتى وصلت إلى حديقة عامة مهجورة بسبب العاصفة.
وجدت مقعدا معدنيا تحت شجرة لا تكاد تحجب المطر. سقطت عليه منهكة. لم تعد تشعر بأصابع يديها. بدأ عقلها يتغشى. ظنت أن النهاية قد جاءت. همست وهي تغمض عينيها مستسلمة لبرد يسرق الإحساس يا رب إن كنت لم أعد صالحة لشيء فخذني إليك. لم أعد أحتمل. اغفر لهم وخذني.
خيل إليها أن صوت المطر خف مع أن الماء
ظل يهطل. وفجأة أحست

بدفء غريب يقترب دفء لا تفسير له. لم يكن شمسا فالسماء ما زالت سوداء. سمعت صوتا يا امرأة
كان صوتا رجوليا لكنه ليس كصوت رودريغو. لا غضب فيه ولا تعال. كان عميقا ناعما كالمخمل وفيه سلطان يجعل الأرض ترتجف طمأنينة لا خوفا. فتحت مرسيدس عينيها بصعوبة. أمامها وقف رجل تحت المطر ومع ذلك كان كأنه لا يبتل.
كان يرتدي لباسا بسيطا أشبه بثوب من زمن آخر بلون بيج متواضع وصندلا. شعره بني ينسدل إلى كتفيه ولحيته قصيرة. لكن ما خطف أنفاس مرسيدس حقا كان عيناه سوداوان عميقتان لا نهاية لهما ممتلئتان بحب هائل يكاد يؤلم من شدته. عينان كأنهما بكتا كل دموع العالم ومع ذلك تبتسمان.
جثا الرجل أمامها غير مبال بالطين. قالت مرسيدس متلعثمة من من أنت يا بني فأجاب وهو يمد يدا إليها أنا الذي كنت معك كل مرة بكيت فيها وحدك في تلك الغرفة المظىلمة.
نظرت مرسيدس إلى يده. في راحة الكف ندبة دائرية عميقة. اضطرب قلبها. قالت في نفسها لا يمكن إنها هلوسة البرد أو أني مت. تمتمت بضعف لا أنا لا أحد أنا عجوز عبء تردد كلمات صهرها.
ضم الرجل يديها المثلجتين بين يديه. كان الدفء ينتقل فورا يجري في عروقها كىار سائلة يذيب التجمد ويصلح ما تكىسر. قال وهو يلفظ اسمها كأنه جوهرة مرسيدس ألفاريز قد تكونين عند الناس غير مرئية لكنك عندي ملكة. لست عبئا. أنت ابنتي.
انفحرت مرسيدس بالبكاء لكنه بكاء راحة لا بكاء انكسار. بكاء من حمل جبلا ثم رفع عن كتفيه. قالت وهي تنتحب يا رب طردوني ابنتي تركتني في الشارع كنت أما صالحة أقسم قال بصوت حنون أعلم. رأيت كل تضىحية. رأيت حين كنت تقتسمين رغيفك معها. ورأيت ما حدث اليوم.
تبدلت ملامحه قليلا. ظهر في عينيه حزم رهيب لا ضدها بل ضد الظىلم. قال اسمعيني يا مرسيدس. الرجل الذي أهانك يظن أن له سلطانا لأنه يملك المال لكنه بنى بيته على الرمل. كبرياؤه سيكون هلاكه. ارتجفت وسألت وماذا سيحدث قال من يزرع يحصد. وهو زرع رياح القىسوة فستأتيه عاصفة. أما أنت وابتسم فكان لابتسامته ضوء في قلب الحديقة الرمادية أنت ستردين إلى ما يليق بك.
قالت في دهشة ممزوجة بالخوف أرد لكني لا أملك شيئا فأجاب تملكين الإيمان وهو أثمن عملة في السماء. غدا قبل أن تشير الساعة إلى الثانية
عشرة ستتلقين مكالمة. لا تخافي. اقبلي ما سيعطى لك. إنه حصاد بذرة خير زرعتها قبل عشرين عاما ثم نسيتها. شهقت قبل عشرين عاما قال دون إستيبان روميرو أتذكرينه
بحثت مرسيدس في ذاكرتها المرهقة. دون إستيبان شيخ كانت ترعاه حين عملت في حي دل بايي. رجل وحيد شديد المرارة لم يكن أحد يريد خدمته لكنها صبرت عليه تطبخ له حساء الدجاج وتقرأ له الجريدة حتى ماتت زوجته. قالت نعم لكنه مات أليس كذلك قال مات منذ وقت قريب ولم ينس الشخص الوحيد الذي عامله كإنسان.
وقف الرجل ومد يده إليها لتنهض. نهضت مرسيدس ولم تصدق. ركبتاها لم تعودا تؤلمانها والبرد اختفى. شعرت بقوة كأنها عادت شابة. قال لها اذهبي إلى كنيسة باروكيا دل كارمن تبعد ثلاث حارات من هنا. الأب توماس ينتظرك عند الباب وهو لا يعلم لماذا خرج إلى المطر لكنه خرج. سيمنحك مأوى هذه الليلة. تشبثت مرسيدس بيده وقالت يا رب لا تتركني فوضع يده على جبهتها برفق وقال أنا معك كل الأيام إلى انقضاء الدهر. واستعدي يا مرسيدس لأن صهرك سيقع وابنتك ستبحث عنك وعندها ستواجهين أصعب قرار في حياتك أن تغفري. قالت وهي ترتجف الغفران صعب يا رب يؤلمني. قال أعلم. لكن الغفران يحررك أنت لا يحررهم. ثقي بي.
ثم بدأ يمشي في ضباب المطر. رمشت مرسيدس لتزيل الدموع وحين فتحت عينيها لم تجده. كان المقعد جافا والمطر قد توقف وشعاع شمس شىق الغيوم السوداء وأضاء برج الكنيسة القريبة.
عدلت مرسيدس شالها واستقامت كما لم تستقم منذ سنين وسارت نحو الكنيسة. لم تعد العجوز العبء. كانت ابنة ملك وقصتها لم تبدأ إلا الآن.
وفي تلك الأثناء في قصر لوماس كان رودريغو يصب لنفسه كأس ويسكي وهو يحتفل بأنه تخلص من المشكلة. رن هاتفه. كان شريكه الرئيس. قال رودريغو بتعال ألو فجاءه الصوت مضطربا رودريغو لدينا مشكلة خطيرة. مصلحة الضرائب ووحدة الاستخبارات المالية جمدتا كل حسابات الشركة. هناك أمر ضبط بتهمة الاحتيال. يجب أن تغادر المكان فورا.
انزلقت الكأس من يد رودريغو وتحطمت على الرخام. كان الصوت كصوت إمبراطورية تنهار.
مشت مرسيدس تلك الحارات الثلاث تحت شمس خرجت لتوها بعد العاصفة وهي تشعر بقوة في ساقيها لم تعرفها منذ كانت في الأربعين. وعند بوابة كنيسة
باروكيا دل كارمن الخشبية المنحوتة كان قلبها يخفق بقوة. هل كان ما حدث حقيقة أم هلوسة صنعها البرد والجوع
قبل أن تمد يدها إلى الجرس فتح الباب. كان الأب توماس رجلا ضخما في الستين تقريبا يرتدي ثوبا كهنوتيا أسود وبيده مكنسة. تجمد حين رآها. تمتم يا مريم العذراء فأجابت مرسيدس بطاعة قديمة بلا خطيئة حبل بها يا أبانا.
حدق فيها الكاهن بدهشة كأنه يرى شبحا أو علامة سماوية. قال لن تصدقي قبل عشر دقائق كنت أسبح بالمسبحة وفجأة شعرت بإلحاح لا يقاوم أن أفتح الباب كأن أحدا قادم. ماذا حدث لك يا أماه أنت مبتلة ومع ذلك لمس كتفها وقطب حاجبيه ثيابك جافة لكنك ترتجفين.
قالت بخجل مكىسور حكايتي طويلة يا أبتي. طردوني من بيتي. لا مأوى لي. فأجاب دون تردد ادخلي ادخلي. بيت الله بيت الجميع.
نامت مرسيدس تلك الليلة في ملجأ الكنيسة الصغير خلفها. لم يكن قصرا في لوماس. كانت الجدران من طوب عار والسقف فيه رطوبة وصوت الحافلات لا ينقطع من الشارع القريب. لكن السىرير كان نظيفا والشراشف تفوح برائحة صابون بسيط ولأول مرة منذ سنوات لم ينظر إليها أحد بازدراء. قدمت لها الأخت كلارا طبقا من حساء ساخن وقطعة خبز حلو. وقالت لها كلي يا أماه يبدو أن روحك على وشك الانطفاء.
أكلت مرسيدس وهي تبكي لكن هذه المرة من الامتنان. وقبل أن تغفو تذكرت كلام الرجل في الحديقة غدا قبل الثانية عشرة ستتلقين مكالمة. هل يمكن أن يكون ذلك صحيحا أم أمنية أخيرة لعجوز تركت للبرد همست وهي تعانق مسبحتها يا يسوع إن كنت أنت فلا تترك يدي فأنا خائفة.
جاء الصباح مع دقات الأجراس تدعو إلى قداس السابعة. ساعدت مرسيدس في كنس الفناء وغسل صحون الإفطار. شعرت أنها نافعة أنها إنسان. لكن عينيها كانتا تلتصقان بالهاتف الأرضي القديم في مكتب الأخت كلارا جهاز بلون باهت فوق الطاولة.
مرت الساعات ثقيلة. التاسعة صباحا لا شيء. العاشرة والنصف اتصال لامرأة تسأل عن مواعيد المعمودية. بدأت القلق ينهشها. قالت في نفسها كان حلما. أنا أهذي. لن يتصل بي أحد. كانت تذكر نفسها بأن دون إستيبان مات وأنه ما كان ليبحث عنها.
عند الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة جلست على كرسي بلاستيكي ويدها متشابكة تهمس بالصلاة. بدأت الشكوك
تغلبها وراحت يوسوس لها يأس مظىلم أن الأفضل أن تخرج لتبحث عن كرتون تنام عليه في الشارع.
وعند الحادية عشرة واثنتين وخمسين دقيقة رن الهاتف. كان جرسه حادا حتى إن مرسيدس قفزت من مكانها. رفعت الأخت كلارا السماعة بصوتها اللطيف كنيسة الكرمل صباح الخير ثم سكتت لحظة وهي تعقد حاجبيها من يطلبها نعم لدينا سيدة وصلت أمس لحظة.
غطت الراهبة فوهة السماعة بيدها ونظرت إلى مرسيدس بعينين متسعتين السيدة مرسيدس الاتصال لك. إنه مكتب محاماة من بولانكو.
أحست مرسيدس أن ساقيها صارتا من هلام. نهضت ببطء وسارت نحو الهاتف كأنه مذبح. ارتجفت يدها وهي تمسك بالسماعة. قالت أ ألو فجاءها صوت رجولي مهني هل أتحدث إلى السيدة مرسيدس ألفاريز قالت نعم أنا. قال معك المحامي مارتين إسكيفيل من الدائرة التوثيقية 148. بحثنا عنك أشهرا. والحمد لله أخبرنا محقق خاص أنه رآك تدخلين الكنيسة أمس. أحتاج حضورك إلى مكتبي اليوم الأمر عاجل. يتعلق بقراءة وصية المرحوم دون إستيبان روميرو.
أغمضت مرسيدس عينيها وانحدرت دمعة وحيدة على خدها. لم يكن حلما. لم تكن مجنونة. لقد صدق الوعد. قالت بصوت متهدج نعم يا سيدي سأحضر. ثم أغلقت السماعة ورفعت رأسها إلى السقف حيث تسلل شعاع شمس من نافذة عالية شكرا همست شكرا يا أبي.
أعطاها الأب توماس أجرة سيارة أجرة وهو يقول مبتسما إنه استثمار إيمان يا أماه. وفي الجانب الآخر من المدينة كان جحيم رودريغو يتسع.
كان في مكتبه في سانتا في ناطحة سحاب زجاجية تطل على المدينة. لكنه لم يلتفت إلى المنظر. كان يتصبب عرقا باردا ويفك ربطة عنق فاخرة كأنها حبل مشنقة. كان يصىرخ في الهاتف كيف يعني مجمدة أنا رودريغو سالاثار! لدي استثمارات بملايين الدولارات! لا تستطيعون فعل هذا!
لكن صوت موظف مصرفهالذي كان بالأمس يعامله كملككان الآن باردا جافا نأسف يا سيد سالاثار. الأمر صادر مباشرة عن وحدة الاستخبارات المالية. هناك بلاغات عن حركات غير نظامية وشبهة غسل أموال واحتيال ضريبي. بطاقاتك حساباتك الاستثمارية حسابات الشركة كلها محجوبة حتى إشعار آخر. وأنصحك بمحام جنائي لا محام شركات.
رماه رودريغو بالهاتف على المكتب فتهشمت الشاشة. صىرخ اللعىنة! وركل كرسيه الجلدي. دخلت سكرتيرته
وهي شاحبة سيدي هناك

رجال في الخارج. يقولون إنهم من النيابة. لديهم أمر تفتيش.
تجمد العالم حول رودريغو. ذلك الرجل الذي دفع بالأمس عجوزا إلى المطر لأنها رائحتها كريهة صار يشم الآن رائحة خوفه رائحة حادة لاذعة. فكر أن يتصل بكارولينا لكن ماذا يقول لها إن حياة الرفاه التي وعدها كانت كذبة مبنية على خداع تطلع من النافذة. في الأسفل سيارات الشرطة وفي الأعلى سماء رمادية. وفي ذهنه كصدى ملعون ارتدت كلمات مرسيدس الله يرى كل دمعة. تمتم لا لا يمكن مجرد مصادفات.
في مكتب أنيق لكنه هادئ في بولانكو تفوح منه رائحة الخشب العتيق وكتب القانون جلست مرسيدس أمام المحامي إسكيفيل. شعرت بصغر في ذلك المقعد الكبير وأخذت تسوي تنورتها المرتجفة.
قال المحامي رجل في الخمسين بعينين طيبتين وهو يخىلع نظارته السيدة مرسيدس كان دون إستيبان روميرو رجلا فريدا. لم يرزق أبناء وتوفيت زوجته قبل عشرين عاما. كون ثروة معتبرة في العقارات لكنه مات وحيدا. ثم فتح ملفا جلديا سميكا وقد أرفق رسالة بخط يده مع وصيته. طلب أن أقرأها لك قبل الإجراءات القانونية.
أومأت مرسيدس وهي تحبس أنفاسها. تنحنح المحامي وقرأ إلى مرسيدس ألفاريز. قد لا تتذكرينني أو قد تذكرينني بصفتي العجوز المتذمر في شارع أدولفو برييتو. لكنني أتذكرك. أتذكر أنك حين كان الجميع يعاملونني كقطعة أثاث بالية كنت تسألينني كيف أصبحت. أتذكر أنك كنت تعدين لي شاي القرفة حين يوجعني بطني مع أنه ليس واجبك. أتذكر يوم دفىت زوجتي كنت الوحيدة التي بقيت معي في غرفة الجلوس بصمت تؤنسين وحدتي حين ذهب الآخرون لتناول الطعام. يا مرسيدس إن الطيبة عملة نادرة في هذا العالم. يظن الناس أن القوة مال لكن القوة الحقة أن تخدم الآخرين بالحب حتى إن لم يرك أحد. أنا رأيتك. لذلك أريد أن أضمن أنك لن تجبري مرة أخرى على خدمة أحد بدافع الحاجة بل إن خدمت فبإرادة قلبك.
وضعت مرسيدس يديها على فمها وانفحرت بالبكاء. اهتز كتفاها وكأنها تستعيد كرامتها المهدورة دمعة دمعة.

زر الذهاب إلى الأعلى