اتصلت بي من الطائرة… وقالت: الرجل الذي معك ليس زوجك!

كان مكتوبًا في أعلاها
إلى الرجل الذي يعيش مع سارة
تجمّدت يدي.
شعرتُ أن المكان يضيق حولي وكأن الجدران تقترب ببطء.
فتحت الرسالة.
وكان الخط غريبًا حادًا وكأن كاتبه كان يكتب وهو تحت ضغط.
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة فهذا يعني أنك نجحت في الدخول إلى حياتها.
ارتجفت أنفاسي.
تذكّر القواعد جيدًا
لا تقترب أكثر مما ينبغي.
لا تغيّر الروتين كثيرًا.
ولا تجعلها تشك قبل أن يتم النقل.
توقّف قلبي لحظة.
النقل؟
الرحلة إلى باريس هي المرحلة الأخيرة.
المرأة التي معك ليست مريضة كما تظن.
هي المفتاح.
ازدادت دقات قلبي بشكل مؤلم.
أما سارة
فلا تدعها تكتشف الحقيقة.
لأنها إن وصلت إلى هذا المكان
فكل شيء سينتهي.
رفعتُ رأسي ببطء
أنا هنا.
أنا وصلت.
أكملت القراءة، ويدي ترتجف
وإن حدث الأسوأ
فاعلم أن النسخة الأخرى لن تكون جاهزة بعد.
نسخة؟
لم أستوعب.
لكن عينيّ وقعتا على السطر الأخير
ولا تنسَ
أنت لست فهد.
سقطت الرسالة من يدي.
شعرتُ بأن الأرض تميد بي فعلًا هذه المرة.
إذًا
من يعيش معي
ليس زوجي.
وفي تلك اللحظة
سمعتُ صوت محرّك سيارة في الخارج.
ركضت نحو باب المستودع
لكنني توقفت.
خطوات.
ليست خطواتي.
ليست خطوات أحد في القبو
بل
خطوات خلفي.
بطيئة.
هادئة.
تعرف المكان.
تجمّدت في مكاني.
وصوت مألوف قال خلفي مباشرة
لم أتوقع أن تصلي إلى هنا بهذه السرعة يا سارة
أدرت رأسي ببطء شديد
وقلبي يكاد يتوقف.
كان واقفًا عند الباب.
فهد.
أو
الشخص الذي يعيش معي.
لكن هذه المرة
لم يكن يبتسم.
وكانت نظراته
خالية تمامًا من أي شيء أعرفه.
وقال بهدوء مرعب
يبدو أن علينا تقديم أنفسنا من جديد.
لكن الصدمة الحقيقية
لم تكن في كلماته.
بل في الشيء الذي كان يمسكه بيده.
مفتاح مطابق تمامًا للمفتاح الذي معي.
شدَدتُ أصابعي على المفتاح الذي بيدي وكأنني أتمسّك بآخر شيء حقيقي في هذا الكابوس.
لم أتحرّك.
لم أصرخ.
فقط نظرتُ إليه.
من أنت؟ خرج صوتي مكسورًا، بالكاد يُسمع.
ابتسم
ابتسامة باردة ليست ابتسامة فهد التي أعرفها.
هذا السؤال كان يجب أن تطرحيه منذ البداية.
تقدّم خطوة.
تراجعتُ أنا.
لا تقترب! قلتها بسرعة، وظهري اصطد,م بالحائط.
رفع يده قليلًا، وكأنه يهدئني.
اهدئي يا سارة لو أردتُ إيذاءك، لما كنتِ واقفة الآن.
توقّف عند منتصف الغرفة، وبقي ينظر إليّ.
أين فهد؟ سألت، وعيناي تحترقان.
صمت للحظة
ثم قال بهدوء
في مكان لا يمكنكِ الوصول إليه.
اختنق نفسي.
هل هو حي؟
لم يُجب.
وهذا كان الجواب الأسوأ.
نظرتُ حولي بسرعة إلى الصور، إلى عربة الطفل، إلى الحقائب
ثم إلى الرسالة التي سقـ,طت على الأرض.
ما هذا كله؟ سألت.
تنفّس ببطء ثم قال
خطة.
خطة ماذا؟!
نظر إليّ مباشرة
خطة لتبديل حياة بحياة.
لم أفهم.
لكن جسدي كله بدأ يرتجف.
المرأة الحامل تمتمتُ، من هي؟
ابتسم ابتسامة خفيفة
أهم منكِ الآن.
شعرتُ بإهانة جارحة، لكن الخوف كان أقوى.
ولماذا أنا؟ لماذا حياتي؟
اقترب خطوة أخرى.
هذه المرة لم أستطع التراجع أكثر.
لأنكِ النسخة المناسبة.
اتسعت عيناي.
نسخة؟
أومأ برأسه ببطء.
هناك أشخاص يستطيعون إعادة بناء حياة كاملة لشخص آخر.
ماذا تقول؟ هذا جنون!
ليس جنونًا تجارة.
أشار إلى الصور على الجدار.
كل تفصيلة في حياتكِ تمت دراستها.
عاداتكِ، كلامكِ، بيتكِ حتى صوركِ أثناء النوم.
شعرتُ بالغثيان.
كنتِ مشروعًا يا سارة.
صمتّ للحظة
ثم همست
وفهد؟
أطرق برأسه قليلًا.
فهد كان الوسيلة.
دموعي انهمرت دون أن أشعر.
أين هو؟!
رفع نظره إليّ
ولأول مرة
رأيتُ شيئًا يشبه التردد في عينيه.
كان يجب أن يسافر اليوم.
مع تلك المرأة؟!
أومأ.
لكن
سكت.
لكن ماذا؟! صرخت.
اقترب أكثر
وخفض صوته
يبدو أن هناك مشكلة.
شعرتُ بأن قلبي سيتوقف.
أي مشكلة؟!
نظر إليّ ببطء
ثم قال
لأن الشخص الذي صعد إلى الطائرة
لم يكن فهد.
تجمّدت في مكاني.
ماذا؟
الاسم صحيح الشكل صحيح
لكن الرجل ليس هو.
تراجعتُ خطوة
إذًا من؟!
ابتسم ابتسامة مظلمة
شخص آخر مثلي.
الهواء اختفى من صدري.
نسخ متعددة؟
حياة مزيفة بالكامل؟
وقبل أن أستوعب
اهتزّ هاتفه في جيبه.
نظر إلى الشاشة
وتغيّر وجهه فجأة.
مستحيل
ماذا؟! سألت بسرعة.
رفع عينيه إليّ
وكان الخوف هذه المرة حقيقيًا.
الرحلة
ماذا بها؟!
ابتلع ريقه
وقال
اختفت من الرادار.
شعرتُ أن العالم كله انهار دفعة واحدة.
الطائرة؟!
أومأ ببطء.
بمن فيها
سقطتُ على الأرض دون وعي.
لكن آخر شيء سمعته قبل أن يغيب كل شيء
كان صوته
وهو يهمس
وهذا لم يكن ضمن الخطة.
فتحتُ عينيّ ببطء
كان السقف فوقي ضبابيًا، يتمايل كأنني ما زلتُ أسقط.
صوت قطرات ماء
ورائحة العطر النسائي الثقيلة أعادتني إلى الواقع.
القبو.
جلستُ بصعوبة، ويدي على رأسي.
أخيرًا جاء صوته من زاوية الغرفة.
رفعتُ نظري.
كان يقف هناك نفس الرجل نفس الوجه الذي يشبه فهد.
لكن هذه المرة لم يكن ثابتًا.
كان متوترًا.
يمشي ذهابًا وإيابًا.
كم مضى من الوقت؟ سألت بصوت ضعيف.
خمس دقائق فقط.
خمسة دقائق
وحياتي تحوّلت إلى شيء لا أعرفه.
الطائرة تمتمتُ.
توقّف.
نظر إليّ مباشرة.
لا توجد إشارة. اختفت تمامًا.
اختفى.
كأنها لم تكن موجودة أصلًا.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
وهل كان فهد على متنها؟
صمت.
ثم قال ببطء
لا أحد يعرف الآن من كان على متنها
شعرتُ ببرودة تسري في عروقي.
أنت قلت إنه ليس فهد.
أومأ.
نعم وهذا ما يجعل الأمر أسوأ.
كيف أسوأ؟!
اقترب مني، وجلس على الكرسي المقابل.
خفض صوته
لأن النسخة التي أُرسلت لم تكن مكتملة.
لم أفهم.
ماذا تقصد؟
تنفّس ببطء
ثم قال
هناك درجات في التقليد.
تقليد ماذا؟!
تقليد الأشخاص.
تجمّدتُ.
في البداية نتعلم الشكل.
أشار إلى وجهه.
ثم الصوت الحركة التفاصيل.
ثم نظر إليّ بتركيز.
لكن الذكريات هي المرحلة الأخيرة.
قلبي بدأ ينبض بعنف.
النسخة التي صعدت الطائرة لم تصل لهذه المرحلة.
شعرتُ بالغثيان.
يعني كان هناك شخص يشبه فهد لكنه لا يعرف شيئًا؟
أومأ.
شخص يمكن كسره بسهولة.
صمتّ لحظة
ثم همست
ومن أرسله؟
رفع عينيه نحوي
وقال
نفس الجهة التي أرسلتني.
الغرفة أصبحت أضيق.
ومن أنتم؟!
لم يجب.
فقط نظر إلى الرسالة على الأرض.
ثم قال
كنّا نظن أن العملية تحت السيطرة.
كنّا؟
نعم.
يعني أنت لست وحدك؟!
ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها لم تكن مريحة.
لم أكن وحدي منذ البداية.
شعرتُ أنني محاصرة.
وما دوري أنا؟! صرخت.
وقف فجأة.
أنتِ الهدف.
صمت.
ثم أكمل
أو كنتِ الهدف.
توقّف قلبي.
كنت؟
اقترب مني ببطء
حتى أصبح قريبًا جدًا.
الآن كل شيء تغيّر.
بسبب الطائرة؟
بسببكِ.
اتسعت عيناي.
أنا؟!
لم يكن من المفترض أن تكتشفي المستودع ولا الرسالة ولا المفتاح.
سكت لحظة
ثم قال
أنتِ كسرتِ التسلسل.
شعرتُ أنني أختنق.
وماذا يعني ذلك؟
نظر حوله ثم عاد إليّ.
يعني أنهم سيتخلّصون من كل شيء.
كل شيء؟!
النسخ الأدلة الشهود
ثم نظر إليّ مباشرة
وأنتِ.
تجمّدتُ.
سيقــ,تلونني؟
لم يجب.
وهذا كان كافيًا.
في تلك اللحظة
سمعنا صوتًا.
بعيد
لكنه واضح.
صوت باب القبو الخارجي يُفتح.
نظر إليّ بسرعة.
ثم نحو الباب.
وصلوا.
قلبي كاد يتوقف.
من؟!
لم يجب.
فقط أمسك بذراعي فجأة.
اسمعي جيدًا
نظرت إليه بصدمة.
لم يعد هناك وقت.
اقترب أكثر
وهمس
إن أردتِ أن تعيشي لا تثقي بي.
تجمّدت.
ماذا؟!
لكن قبل أن أسأله
انطفأ الضوء.
تمامًا.
غرقنا في الظلام.
وصوت خطوات
أكثر من شخص
يقتربون.
وفي الظلام
سمعتُ صوتًا غريبًا
صوت رجل آخر
لكن
بنفس صوت فهد.
سارة
تجمّد الدم في عروقي.
اشتقنا لكِ.
تجمّد جسدي في الظلام.
الصوت
نفس صوت فهد.
لكن ليس هو.
أو ليس واحدًا فقط.
تراجعتُ خطوة، ويدي تبحث في الهواء عن أي شيء أتمسك به.
الشخص الذي كان معي قبل لحظات اختفى.
كأنه لم يكن هنا أصلًا.
لا تتحركي يا سارة.
جاء الصوت من جهة الباب.
ثم
ضوء خافت اشتعل.
مصباح يدوي.
واحد ثم اثنان ثم ثلاثة.
ثلاثة رجال.
ثلاثة وجوه
كلهم يشبهون فهد.
لكن بدرجات مختلفة.
واحد ملامحه دقيقة بشكل مرعب.
الثاني أقل إتقانًا.
أما الثالث
فكان هو.
الشخص الذي عاش معي.
الذي نام بجانبي.
الذي قال لي حبيبتي.
كان واقفًا الآن بينهم.
ينظر إليّ دون تعبير.
وكأنه لم يكن معي قبل دقائق.
أيهم؟ همستُ بصوت مكسور.
ضحك أحدهم.
هذا السؤال لم يعد مهمًا.
اقترب الذي في المنتصف.
واضح أنه القائد.
قال بهدوء
سارة انتهى كل شيء.
أين فهد؟! صرخت.
توقّف.
نظر إليّ
ثم قال
فهد الحقيقي لم يعد جزءًا من هذه القصة منذ البداية.
شعرتُ
أن روحي انسحبت من جسدي.
ماذا يعني؟
يعني أنكِ كنتِ تعيشين مع نسخة منذ أشهر.
نظرتُ إلى الرجل الذي كان معي
ارتجف قلبي.
وأنا؟
ابتسم القائد.
أنتِ كنتِ تجربة.
سقطتُ على الأرض.
تجربة ماذا؟!
تجربة استبدال الحياة.
سكت لحظة
ثم أكمل
نأخذ شخصًا ونضع مكانه نسخة ونراقب.
لماذا؟!
لأننا نستطيع.
صمت.
ثم أضاف
ولأن هناك من يدفع مقابل هذا النوع من السيطرة.
بدأتُ أبكي دون وعي.
أنا إنسانة لست تجربة!
اقترب مني.
انحنى قليلًا
وقال
كنتِ.
ثم أشار بيده.
أحدهم تقدّم نحوي.
في يده حقنة.
ارتجفت.
لا لا تلمسني!
لكن قبل أن يصل إليّ
صوت انفجار مدوّي هزّ المكان.
توقّف الجميع.
الأضواء اهتزت.
ثم
صوت صراخ.
وأصوات إطلاق نـ,ار.
نظر القائد نحو الباب.
ماذا يحدث؟!
صرخ أحدهم
تم اختراق الموقع!
في لحظة
تحوّل المكان إلى فوضى.
رجال يركضون.
أوامر.
صراخ.
ووسط ذلك
شخص أمسك بيدي فجأة.
شدّني بقوة.
انهضي!
نظرتُ إليه
كان هو.
الشخص الذي عاش معي.
لكن هذه المرة
عيناه مختلفتان.
حقيقية.
تعالي! قال بسرعة.
ركضنا.
مررنا بين الظلال
بين الصراخ
بين رجال يسقــ,طون.
من هؤلاء؟! سألت وأنا ألهث.
جهة أخرى قال.
مثلهم؟!
أسوأ.
وصلنا إلى ممر ضيق.
فتح بابًا معدنيًا.
ودفعني للخارج.
هواء بارد ضرب وجهي.
كنا في الخارج.
في موقف السيارات.
بعيدًا عن القبو.
توقّف.
نظر إليّ.
اسمعي
كنت أرتجف.
ما الذي يحدث؟!
تنفّس بعمق.
ثم قال
أنا لم أكن فقط نسخة.
صمت.
كنت مزروعًا بينهم لأراقبهم.
اتسعت عيناي.
ماذا؟!
كنت جزءًا من جهة تحاول إسقا,,طهم.
ومن أنت؟!
نظر إليّ
لثوانٍ
ثم قال
اسمي ليس فهد.
سكت.
ثم أضاف
لكن كل شيء آخر كان حقيقيًا.
شعرتُ أن قلبي ينكــ,سر.
حتى عندما قلت لي أنك تحبني؟
لم يجب فورًا.
وهذا كان كافيًا.
ثم قال بصوت منخفض
لم يكن من المفترض أن يحدث ذلك.
دموعي نزلت بصمت.
وأين فهد الحقيقي؟
أغلق عينيه للحظة.
تم التخلص منه منذ البداية.
سقط كل شيء داخلي.
كل شيء.
الحياة.
الذكريات.
الحب.
كلها لم تكن حقيقية.
أو لم تكن له.
صمت طويل بيننا.
ثم سألته
والآن؟
نظر حوله
ثم إليّ.
الآن أنتِ هدف للجميع.
وأنت؟
ابتسم ابتسامة خفيفة متعبة.
أنا أيضًا.
صمت.
ثم مدّ يده.
إما تهربين وحدكِ
توقّف.
أو نبدأ من جديد.
نظرتُ إلى يده.
ثم إلى عينيه.
هذا الرجل
كذب عليّ.
لكن
أنقذني.
وهذا العالم
لم يعد فيه شيء واضح.
مددتُ يدي ببطء
وأمسكتُ يده.
من جديد.
ابتسم لأول مرة
ابتسامة حقيقية.
وفي الخلف
كان القبو يحترق.
والأصوات تختفي.
والحياة القديمة
تنتهي.
بعد عام
لم أعد سارة التي كانت.
الاسم تغيّر.
المكان تغيّر.
حتى وجهي لم يعد كما كان.
جلستُ أمام نافذة صغيرة
في مدينة لا يعرفني فيها أحد.
أحتسي القهوة
وأراقب الناس.
هاتف جديد.
حياة جديدة.
لكن الذكريات
لم تختفِ.
رنّ الهاتف.
رقم مجهول.
ترددتُ
ثم أجبت.
صوت مألوف قال
هل اشتقتِ لي؟
توقّف قلبي.
أين أنت؟ همست.
ضحك بخفة.
قريب دائمًا.
صمت.
ثم قال
هذه المرة لن أختفي.
أغلقتُ عيني.
ولأول مرة
لم أشعر بالخوف.
فقط
استعداد.






