رجع من… لكن اللي كان واقف على الباب

في تلك الليلة… أخذه رجال أبي.
نقلوه… حتى تمكّن من الهرب.
“وعشت كل هذه السنوات مختبئًا؟”
“عدت مرتين.”
“متى؟”
“بعد سنة… ورأيت المنزل… وسياراتهم أمامه. فهمت الرسالة.”
“والمرة الثانية؟”
“يوم تخرجك.”
لم أستطع الكلام.
“لماذا الآن؟”
نظر إلى الجدار:
“لأنني سمعت شيئًا.”
“ماذا؟”
قال بصوت منخفض:
“أن أمي… لم تعد آمنة.”
تجمّدت:
“ماذا يعني هذا؟”
“أبوك يظن أنها قد تتكلم… وهو لا يخاطر.”
ثم قال:
“سمعته يقول: يجب أن ننهي الأمر قبل أن تفضـ,حنا.”
وقفت فجأة:
“نذهب إليها الآن!”
هزّ رأسه:
“ليس بهذه الطريقة.”
“إذًا كيف؟”
فتح الدفتر:
“غدًا… تذهب إلى المقبرة في أم درمان.”
نظرتُ إليه بدهشة،
وعيناي تفتشان في ملامحه عن أي أثرٍ للشك:
“كيف تعرف؟”
تنفّس ببطء، وكأنّه يسترجع تفاصيل محفورة في ذاكرته لا يمكن محوها، ثم قال بثبات:
“في السادس عشر من كل شهر… دائمًا.”
ارتجف شيءٌ داخلي.
كان محقًا.
أمي… لم تُخطئ يومًا هذا الموعد.
حتى في أسوأ أيامها… حتى حين كانت بالكاد تقف على قدميها… كانت تذهب. تحمل الزهور بيديها المرتجفتين، وتجثو أمام القبر لساعات، وكأنها تحاول إقناع التراب أن يعيد إليها ابنها.
بلعتُ ريقي بصعوبة، وقلت:
“إذًا… نلتقي بها هناك؟”
أومأ برأسه:
“نعم. نصل قبلها. تذهبين أنتِ كعادتك… وعندما تكون وحدها… أقترب. نخرجها من الخلف… من جهة القبور القديمة. هناك ممر لا يراقبه أحد.”
“ثم ماذا؟”
صمت.
نظرت إليه بحدّة:
“أين سنأخذها؟”
لم يُجب.
فهمتُ من صمته أكثر مما لو تكلم.
كلما قلّ ما أعرف… كنتُ أكثر أمانًا.
ضحكتُ فجأة، ضحكة قصيرة ومتوترة خرجت رغماً عني:
“لا أصدق… عدتَ من الموت… وما زلتَ تتصرف كأخٍ أكبر يتحكم بكل شيء.”
رفع عينيه نحوي… وابتسم.
ابتسامة صغيرة… بالكاد تُرى… لكنها كانت كفيلة بأن تعيدني
سنواتٍ إلى الوراء.
إلى أيامٍ كان كل شيء فيها بسيطًا.
إلى قبل أن يصبح الموت… خدعة.
لكن تلك اللحظة… لم تدم.
فجأة—
رنّ الهاتف.
كان الصوت حادًا في صمت الغرفة، كأنه طعنة في الهواء.
التفتنا إليه في اللحظة نفسها.
كانت الشاشة مضيئة…
والاسم واضحًا.
أبي.
شعرتُ بقلبي يصعد إلى حلقي.
نظرت إلى مصعب ببطء:
“هل… يعلم أنك هنا؟”
هزّ رأسه ببطء:
“لا يجب.”
توقّف الهاتف.
سكون ثقيل.
خمسة ثوانٍ فقط…
ثم عاد يرنّ.
لكن هذه المرة… لم يكن هاتفه وحده.
اهتزّ هاتفي داخل حقيبتي.
مددتُ يدي ببطء، أصابعي باردة… وسحبت الهاتف.
رسالة.
من أبي.
فتحتها.
“أين أنت؟ أمك مريضة. تعال فورًا. ولا ترد على أرقام غريبة.”
قرأتُ الرسالة مرة… ثم ثانية… ثم رفعتُ عيني نحوه.
مصعب لم يعد يبدو متفاجئًا.
لم
يعد مرتبكًا.
بل على العكس…
كان وجهه هادئًا بشكلٍ مخيف.
كأن كل شيء يحدث الآن… كان يتوقعه.
أو… يخشاه.
قلتُ بصوت منخفض:
“ماذا يعني هذا؟”
لم يجب فورًا.
مدّ يده ببطء… والتقط المسـ,دس من فوق الطاولة.
حركة سريعة… محترفة… كأنها تكررت آلاف المرات.
تفحّصه، ثم أغلقه بإحكام.
قال دون أن ينظر إليّ:
“هذا يعني… أننا تأخرنا.”
شعرتُ ببرودة تسري في ظهري:
“تأخرنا عن ماذا؟”
رفع رأسه أخيرًا، ونظر مباشرة إلى النافذة.
“عن الخروج بهدوء.”
في البداية… لم أسمع شيئًا.
فقط صوت الثلاجة القديمة… وطنين الكهرباء.
ثم—
صوت بعيد.





