
كنت بغسل واحدة متوفية، وأثناء الغسل حصلت حاجة خلت قلبي يقف لحظة، لأني سمعت صوت طرقعة فجأة في الغرفة، صوت واضح، مش جاي من بره، بل من الجسد الساكن قدامي. وقفت مكاني، وعقلي بيحاول يلاقي تفسير منطقي، يمكن البلاط، يمكن الإناء، يمكن أي حاجة… لكن الإحساس كان تقيل، كأن الصوت خارج من مكان واحد بس.
قربت بحذر ناحية الطاولة، وعيني نزلت تلقائيًا على إيدي المتوفية، وفي اللحظة دي تحديدًا شفت حاجة عمري ما هانساها، ضفر صغير واقع في الإناء، بيتحرك بهدوء فوق سطح الميه. اتجمدت، وماسدتش إيديها، ومع ذلك كان في ضفر واقع. مديت إيدي ألمس كفها بهدوء وأنا متوترة، وفجأة الصوت اتكرر تاني، طرقعة أوضح وأقرب، وبعدها مباشرة شفت ضفر تاني بينخلع ببطء مرعب وكأنه بينفصل لوحده. نفسي اتقطع، والرعب بدأ يتسلّل. ضفر وقع، وبعده ضفر، وبعده التالت، وأنا واقفة مش قادرة أتحرك أو أتكلم، أراقب الضوافر وهي بتسقط واحدة ورا التانية، وصوت الطرقعة يتكرر مع كل سقوط. ماكانش المنظر هو المرعب، قد ما كان الصوت. ولما سألت بعدها وعرفت هي كانت بتعمل إيه في حياتها، دخلت في حالة صدمة حقيقية، صدمة خلتني أقرر أطلع أحكي القصة النهارده عشان تكون عبرة وعظة لكل اللي بيسمعني.
أنا سيدة عندي 45 سنة، ست بيت بسيطة. الحمد لله محافظة على فروضي، ومواظبة على الصلاة وقراءة القرآن. ربنا كرّمني بحاجة عمري ما كنت أتخيلها، إني أغسّل المتوفين لوجه الله، من غير أي مقابل. أي حالة وفاة في منطقتنا، كانوا بيتواصلوا معايا فورًا، ألبس بسرعة، وأروح أؤدي الأمانة. في يوم صحيت على خبر وفاة واحدة من جاراتنا، ماكانش بيني وبينها علاقة قوية، لكن زعلت عليها جدًا، لأنها كانت لسه صغيرة في السن، والموت خطفها فجأة. والصراحة، زعلت أكتر على حال البيت نفسه، وعلى حال الراجل صاحب البيت، لأن قبل الزوجة دي كانت له زوجة برضو اتوفت، وبنته الصغيرة كمان اتوفت. الناس كلها كانت دايمًا تقول إن البيت ده قدمه وحش عليه أوي، وإن من ساعة ما بناه والمصايب فيه ورا بعض، لكن أنا عمري ما اقتنعت بالكلام ده، كلها أقدار ربنا. لبست هدومي وروحت عشان أغسل الست، وأول ما وصلت هناك لقيت أهلها واقفين منهارين من العياط، حزن تقيل مالي المكان، وعيون ماوقفتش دموعها. لكن اللي شدّ انتباهي فعلًا، إن بنت جوزها الكبيرة، طفلة كانت واقفة بهدوء غريب، لا عياط، لا صدمة، ولا حتى نظرة حزن واضحة.
الراجل ده، بعد وفاة زوجته الأولى اللي كانت مريضة، بقى لوحده مع بنتين صغيرين. وطبعًا بعد الوفاة، سابت البنات لوحدهم، والناس قعدت تنصحه يتجوز، وقالوله مش هتعرف تربي بنتين لوحدك، دول محتاجين أم وحد يكون حنين عليهم. خصوصًا إن شغله كان بيخليه يسافر بالأسابيع، وماكانش له حد يساعده، والدته متوفية، وملوش أخوات بنات. بعدها بسنة من وفاة زوجته، راح اتقدم لواحدة قالوا عليها في البلد إنها منفصلة عن جوزها بسبب إنها ما بتخلفش. والناس شجّعوه وقالوله دي هتبقى مناسبة ليك ليك جدًا، ربنا حرمها من الخلفة فهتبقى أحنّ إنسانة على بناتك، وكمان مش هتخلف عيال تاني. وهو فعلًا اقتنع، لأن السبب الرئيسي في جوازه كان بناته، كان بيحبهم جدًا، وكان نفسه يلاقي أم تحتويهم وتديهم الحنان اللي اتحرموا منه.
المهم ساعتها قال: حلو جدًا، ودي هتبقى مناسبة ليا، وراح اتقدم لها. وطول فترة الخطوبة، كان الأب عاملها زي اختبار مستمر، يراقب تصرفاتها مع البنات بدقة، يشوف طريقتها، صوتها، صبرها، وحتى نظراتها، وكان مقتنع إنه لازم يطمن قبل ما يدخل حد غريب حياتهم. والصراحة، كانت بتعامل البنات أحسن معاملة ممكنة، اهتمام، حنية، ضحك، لعب، لدرجة إن الكل كان يشهد إنها إنسانة طيبة وقلبها أبيض، والبنات نفسهم تعلّقوا بيها بسرعة غريبة. والبنات حبوها جدًا، واعتبروها زي والدتهم بالظبط، لدرجة إنهم كانوا بينادوها يا ماما، والأب كان فرحان وسعيد إنه أخيرًا اختار واحدة تحتويهم وتعوّضهم عن الحنان اللي فقدوه.
وساعتها تمت الجوازة، والبيت دخل مرحلة جديدة مليانة أمل، والزوج فضل على نظام سفره المعتاد، أسبوعين برّه وأسبوع في البيت، وهو مطمئن إن بناته في أمان. وبعد الجواز بكام شهر، الصدمة ضربت فجأة، البنت الصغيرة وقعت من فوق السطح في حادثة هزّت البلد كلها، حزن تقيل نزل على البيت، والكل كان مش مستوعب اللي حصل. الأب كان منهار تمامًا، حزين على بنته حزن عمره ما هينساه، لكن المصيبة الأكبر جات بعدها بسنة بالظبط، لما الزوجة نفسها وقعت من فوق السطح بنفس الطريقة تقريبًا. الناس كلها بقت تضرب كف على كف، تسأل: إيه اللي بيحصل في البيت ده؟ ليه كل المصايب دي؟ لكن أنا عمري ما اقتنعت بكلام البيت قدمه وحش، كلها أقدار. دخلت أغسل الزوجة، وأنا حزينة جدًا على شبابها ونهايتها المفاجئة، المياه بتنزل بهدوء، والغرفة ساكتة بشكل يخوّف، لحد ما فجأة سمعت صوت طرقعة ناشف.
وقفت مكاني، وعيني راحت مباشرة على إيديها، وفي اللحظة دي شفت ضفر بينخلع ببطء مرعب، وبعده ضفر تاني، والتالت، والطرقعة تتكرر مع كل سقوط. ضوافرها كانت بتقع واحدة ورا التانية، منظر يخوّف، لكن المرعب فعلًا كان الصوت، طرقعة ناشفة كأن الجسم نفسه بيتفكك قدّامي وأنا مش قادرة أتحرك. خلصنا الدفنة، وروحت آخر اليوم أعزي، لكن كان عندي فضول قاتل أعرف حكاية الست دي، وإيه سر الضوافر اللي كانت بتقع بالشكل المرعب ده أثناء الغسل. أول ما وصلت، لقيت الناس كلها قاعدين بيعزّوا، حزن واضح على وشوشهم، لكن اللي شدّني أكتر بنت جوزها، طفلة عندها حوالي 14 سنة، قاعدة بهدوء غريب.








