عام
أخر الأخبار

الصمت الأختياري

كبر يوسف واختار أن يدرس الطب النفسي، متخصصاً في علاج الأطفال الذين فقدوا النطق جراء الصدمات والحروب، ليصبح طوق النجاة لمن مروا بمثل مأساته. وأصدر كتاباً يروي فيه تجربته بعنوان صوت الصمت، كتب في إهدائه لأخته الصمت قد يكون ملاذاً مؤقتاً من الخۏف.. لكن الحقيقة هي الباب الوحيد والمدخل الأبدي للحرية والشفاء.
بعد صدور الحكم، ظن الجميع أن القصة انتهت، لكن الحقيقة كانت لسه مخبية آخر أسرارها.
الچنازة الرسمية لسلمى جمعت ناس كتير ما حضروش الچنازة الرمزية قبل ثماني سنين. المقاپر كانت هادئة، والجو مليان رهبة. يوسف وقف قدام شاهد القپر الجديد، حط وردة وردية، وقعد ساكت دقيقة كاملة. بعدها قال بهدوء
المرة دي أنا جيت أودعك بجد… مش وأنا خاېف.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن ملامحه رجعت فيها لمحة من الطفل اللي كان زمان.
لكن بعد أسبوع واحد بس…
رئيس فريق التحقيق، العقيد فاروق، كلمني بنفسه.
قال إحنا محتاجين يوسف ييجي المديرية… في حاجة غريبة ظهرت.
قلبي وقع.
افتكرت إن القضية اتقفلت خلاص.
لما وصلنا، العقيد حط قدامنا صندوق خشب صغير متآكل.
قال
الغواصين رجعوا ينضفوا المكان بالكامل…

ولقوا الصندوق ده مدفون بين الصخور.
يوسف أول ما شافه، وشه اتغير.
مد إيده وهو بيرتعش.
ولما فتح الغطا…
طلع منه إسورة أطفال عليها اسم سلمى.
ودب صغير من القماش كان لونه وردي، رغم إن الميه بهدلت معظمه.
لكن الحاجة اللي خلت العقيد نفسه يقف ساكت…
كانت مفكرة جلدية صغيرة ملفوفة داخل كيس بلاستيك محكم.
فتحها بحذر.
كل الصفحات باظت…
إلا آخر ورقة.
كان فيها خط إيد الأب.
قرأها بصوت منخفض
لو حد لقى الورقة دي، يبقى كل حاجة انتهت.
سكت.
وبعدين كمل.
أنا ما كنتش ناوي طفل واحد…
اتجمدنا.
…أنا كنت ناوي أخلص منهم هما الاتنين.
يوسف اتنفس بسرعة.
العقيد كمل القراءة.
لكن الولد جري واستخبى، والناس بدأت تقرب، واضطريت أكتفي بالبنت.
حسيت الأرض بتميل بيا.
يعني…
يوسف كان المفروض ېموت هو كمان.
الورقة كملت أبشع.
الأب كتب إنه كان غارق في ديون ضخمة، وإن شركات التمويل كانت بتطارده، وإنه شاف إن التأمين على الطفلين هو الفرصة الأخيرة.
كتب إنه اختار البحيرة لأنها معروفة إن التيار فيها بيخفي الچثث.
وكتب بالتفصيل إزاي خطط للرحلة من أسبوعين.
وإزاي اشترى الحبال والحجارة.
وإزاي درب نفسه قبلها على النزول في نفس المكان.
ولما العقيد خلص القراءة…
قال بهدوء
الاعتراف ده مش هيغير الحكم… لكنه هيقفل كل نقطة كانت ناقصة.
يوسف فضل باصص للورقة.
وفجأة قال
أنا فاكر اليوم ده أكتر مما كنت فاكر.
العقيد سأله
إيه اللي افتكرته؟
يوسف قال
أختي كانت عارفة.
كلنا بصينا له.
قال
قبل ما ننزل من العربية… سلمى كانت ماسكة إيدي جامد.
وقالتلي همسة…
…لو بابا زعق… اجري.
أنا اتجمدت.
دي أول مرة يوسف يفتكر كلام قالته أخته.
فضل يبكي.
وقال
هي كانت حاسة.
بعد شهور، بدأ يوسف جلسات علاج جديدة.
لكن المرة دي…
كان بيتكلم.
كتير.
لدرجة إن الدكاترة كانوا بيسجلوا الجلسات لأنها بقت مرجع علمي لحالات الصدمة الطويلة.
كان بيحكي تفاصيل صغيرة جدًا.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى