عام
أخر الأخبار

زوجي

بعد أن دفنا زوجي، أخذني ابني بسيارته إلى طريق هادئ خارج البلدة، ثم قال لي بكل برود
هتنزلي هنا . البيت والشركة بقوا ملكي دلوقتي.
وقفت وسط التراب وأنا أضم حقيبتي إلى صدري، بينما انطلقت سيارته بعيدًا من دون أن يلتفت حتى.
لم يكن معي هاتف.
ولا نقود.
لكن في تلك اللحظة أدركت شيئًا لم يكن ابني يعرفه…
أنا لم أكن وحيدة.
كنت حرة.

لكنه لم يكن لديه أي فكرة عما كنت قد أعددته قبل وفاة والده…
كان صوت الحصى تحت حذائي الذي ارتديته في الجنازة يطقطق كأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ زمن.
راقبت سيارة ابني وهي تتحرك للأمام، ثم تباطأت للحظة قصيرة، وكأنها تمنحه فرصة ليتظاهر بأن ما يحدث ليس حقيقيًا.
لكنها سرعان ما أسرعت واختفت خلف المنعطف، حيث تبدأ حقول الذرة وتنتهي البلدة.
لم أصرخ باسمه.
لم أرفع يدي أطلب منه العودة.
كان حلقي جافًا لدرجة أنني لم أعد أحتمل الصراخ، وقلبي كان متعبًا أكثر من أن يتوسل.
قبل ثلاثة أيام فقط، كنت أقف في المقبرة أمام قبر زوجي، أمسك برنامج الجنازة المطوي بين يدي.
كانت ترن في رأسي أغنية دينية اختاروها لوداعه، رغم أننا لم نكن من الأشخاص الذين يهتمون كثيرًا بهذه الأمور.
جاء الناس ليواسوني بالطريقة التي يعرفونها.
صواني طعام، أطباق من ورق، وأوانٍ مغطاة بورق الألومنيوم تراكمت فوق طاولة المطبخ وكأنها جيش صامت.
كان الجيران يحتضنونني ويقولون
كان رجلًا طيبًا.
تلك هي الطريقة التي يودع بها الناس الموتى عندما لا يجدون كلمات أخرى يقولونها.
أما أولادي…
فقد وصلا وكأنهما حضرا لإنجاز مهمة محددة.
كان ابني يتصرف وكأن حياته مقسمة إلى مواعيد مدتها خمس عشرة دقيقة.
عيناه دائمًا في مكان آخر، وهاتفه مقلوب على الطاولة، وكأنه لا يريدني أن أرى مدى سرعة استعداده للعودة إلى حياته الطبيعية.

كان يتحدث عن الرحلات الجوية، والاجتماعات، والزحام على الطريق السريع الذي يجب أن يلحق به.
أما ابنتي، فجاءت بنظارة شمسية غالية وابتسامة متوترة.
احتضنتني، لكن عناقها كان يبدو وكأنه مجرد أداء أمام الآخرين.
في تلك الليلة، بعد الجنازة، أصبح المنزل هادئًا بشكل مؤلم.
كان من الصعب أن أصدق أن هذا البيت الذي كان يمتلئ يومًا بأصوات طفليّ أصبح الآن صامتًا إلى هذه الدرجة.
صنعت القهوة كعادتي، ثم وقفت أمام حوض المطبخ أحدق في الحديقة.
الأغصان كانت عارية، لكنها كانت تستعد لتخرج براعمها مع بداية الربيع.
نظرت إلى المكان الذي قضيت فيه أنا وزوجي سنوات طويلة نبني حياتنا بأيدينا.
وفجأة فتح ابني جهاز الكمبيوتر المحمول ووضعه على طاولة الطعام.
طاولتنا نحن.
ثم قال
لازم نتكلم عن الخطوات الجاية.
الخطوات الجاية.

لم يقل
ماما، إنتِ كويسة؟
لم يسألني إن كنت نمت.
لم يتحدث عن والده.
لم يتحدث عن ذكرياتهما.
فقط…
الخطوات الجاية.
كأنني ملف يجب إغلاقه.
تحدثوا معي بهدوء شديد، وبأدب مصطنع، بالطريقة التي يتحدث بها شخص يريد إبعاد امرأة مسنة من طريقه دون أن يعترف بأنه يفعل ذلك.
استخدموا كلمات مثل
عملي.
أسهل.
أفضل لك.

وكانت ابنتي تهز رأسها باستمرار، وكأنها تدربت على تلك الإيماءات أمام المرآة.
وفي صباح اليوم التالي، أعطوني حقيبة سفر لم أرها من قبل.
وقالوا إننا سنذهب لنرى مكانًا سيكون أفضل بالنسبة لي.
قلت لهم
أنا مش رايحة في أي مكان.
ابتسم ابني كما لو أنه سمع هذه الجملة من قبل.
وكأن رفضي مجرد مرحلة وسأمر منها سريعًا.
قال
تعالي بس شوفي المكان يا أمي. كل حاجة هتبقى أسهل لو عملناها بهدوء.
سرت داخل منزلي وأنا أشعر وكأنني ضيفة.
مررت بغرفة المعيشة، حيث كان زوجي ينام أحيانًا أثناء مشاهدة مباريات كرة القدم.
مررت بالممر الذي ما زالت علامات طول أطفالي موجودة على حائطه.
كل علامة كانت تذكرني بأيام لم أكن أتخيل أنها ستنتهي بهذه الطريقة.
أمسكت حقيبتي.
كانت أثقل مما ينبغي.
ثم تبعتهم إلى السيارة.
ليس لأنني وافقت.
ولكن لأن جزءًا مني أراد أن يرى…
إلى أي مدى يمكن أن يذهبوا؟
لم يتجه ابني إلى البلدة.
ولم يدخل الطريق السريع.
ظل يقود حتى وصل إلى طريق غريب.
طريق ذو حارتين فقط.
لا أرصفة.
لا منازل.
حقول على الجانبين.
وسماء واسعة بما يكفي لتبتلع إنسانًا دون أن يلاحظه أحد.
ثم أوقف السيارة.
نظر إليّ وقال بهدوء شديد، وكأنه يخبرني عن حالة الطقس
هنا هتنزلي.
فتحت ابنتي فمها.
ثم أغلقته.
لم تعترض.
لم تقل شيئًا.
فقط ذلك الصمت الهش، وكأنها كانت تخشى أن ينهار كل شيء إذا نطقت بكلمة واحدة.
فتحت الباب ونزلت.
كان الهواء يحمل رائحة التراب الرطب وبدايات الربيع.
التصق الغبار بطرف ملابسي.
ثم أُغلق باب السيارة خلفي بصوت خافت…
لكن بداخلي كان الصوت أشبه بإغلاق باب الماضي كله.
لم يكن معي هاتف.
ولا نقود.
أو هكذا كانوا يعتقدون.
وقفت أراقب سيارة ابني وهي تبتعد.
صغرت شيئًا فشيئًا حتى أصبحت مجرد نقطة متحركة في الأفق.
ثم اختفت خلف المنعطف.
ولأول مرة منذ  زوجي…
شعرت أن صدري بدأ يتنفس من جديد.

ليس لأن الألم اختفى.
ولكن لأنني فهمت أخيرًا ما الذي حدث.
لقد أرادوا أن يقطعوا كل شيء.
أن يتخلصوا مني.
أن يأخذوا البيت والشركة وكل ما تركه والدهم.
لكنهم ارتكبوا خطأً واحدًا…
لقد ظنوا أنني لم أستعد.
أدخلت يدي في أعمق جيب داخل حقيبتي.
ولمست شيئًا صغيرًا وحادًا.
شيئًا يحمل اسمي.
شيئًا لم يعرف ابني بوجوده طوال كل تلك السنوات.
شيئًا أعددته قبل وفاة زوجي بوقت طويل…
ابتسمت للمرة الأولى منذ أيام.
ثم بدأت أمشي.
لكنني هذه المرة…
لم أكن أمشي بعيدًا عن حياتي.
كنت أمشي نحو الحياة التي أخفيتها عنهم.
وكان ابني على وشك اكتشاف أن البيت والشركة لم يكونا الشيء الوحيدين اللذين تركهما والده وراءه.
فما كنت أحمله في حقيبتي…
كان قادرًا على تغيير كل شيء.
والسر الذي لم يعرفه أولادي عني سيجعلهم يتمنون لو أنهم لم يتركوني في ذلك الطريق

أبدًا.
يتبع…
لم أكن أعرف إلى أين كنت ذاهبة.
كنت أمشي على الطريق الترابي وأنا أضم حقيبتي إلى صدري، وكل خطوة كانت تجعلني أشعر أنني أبتعد أكثر عن المرأة التي كانوا يظنون أنهم يعرفونها.
بعد دقائق، سمعت صوت محرك سيارة يقترب.
توقفت.
سيارة سوداء فاخرة تباطأت بجانبي، ثم توقفت تمامًا.
انفتح الباب الخلفي.
ونزلت منه امرأة في الخمسينيات من عمرها، ترتدي معطفًا أنيقًا وتحمل هاتفًا في يدها.
نظرت إليّ للحظات، ثم قالت
أستاذة مريم؟
تجمدت في مكاني.
لم أجب.
ابتسمت المرأة وقالت
أنا سارة. زوجك كان موصيني لو حصل أي شيء، أول ما أعرف إنك خرجتي من البيت لوحدك، أجيلك فورًا.
شعرت بقلبي يتوقف.
قلت بصوت منخفض
جوزي؟
أومأت.
كان عارف إن ده ممكن يحصل؟
نظرت إليّ سارة بحزن.
كان متوقع إن ابنك يحاول يسيطر على كل حاجة بعد وفاته.
فتحت حقيبتي بسرعة، وأخرجت الظرف الصغير الذي كنت أخفيه.
كان بداخله مفتاح معدني صغير، وبطاقة عليها اسم مكتب محاماة.
ناولته لسارة.

قالت
تمام. يبقى نقدر نبدأ.
ركبت السيارة دون أن أسأل إلى أين سنذهب.
بعد حوالي نصف ساعة، توقفت السيارة أمام مبنى ضخم في وسط المدينة.
صعدنا إلى الطابق السابع.
وعندما دخلت المكتب، رأيت رجلًا مسنًا يقف بجوار النافذة.
كان محامي زوجي.
وبمجرد أن رآني، قال
كنت أتمنى ألا تضطري لاستخدام هذا المفتاح أبدًا.
جلست أمامه.
كان صوتي يرتجف
قول لي الحقيقة.
وضع ملفًا سميكًا أمامي.
زوجك لم يترك البيت والشركة لابنك.
نظرت إليه في صمت.
فتح الملف.
ثم دفع ورقة أمامي.
البيت باسمك من الأساس.
رمشت عدة مرات.
إيه؟
قال
أما الشركة… فزوجك نقل ملكية 72 منها إلى صندوق ائتماني باسمك منذ سبع سنوات.
لم أستطع الكلام.
سبع سنوات؟
قال المحامي
وكان هناك سبب آخر.
رفع عينيه نحوي.
زوجك كان يعرف أن ابنك وابنتك كانا يحاولان معرفة حجم ثروته الحقيقية.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
يعني كان شاكك فيهم؟
هز رأسه.
مش شاكك بس.
فتح درجًا وأخرج ظرفًا أبيض.
كان متأكدًا.

مددت يدي ببطء.
كان الظرف يحمل اسم ابني.
فتحته.
وفي داخله صور.
تحويلات مالية.
رسائل.
وتسجيلات لم أكن أعرف بوجودها.
رفعت رأسي.
إيه ده؟
قال المحامي
ابنك كان يسحب أموالًا من حساب الشركة قبل وفاة والده. وابنتك كانت تساعده.
شعرت وكأنني أعيش كابوسًا.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصفحة الأخيرة.
كانت هناك ورقة تحمل توقيع زوجي.
وفي أسفلها جملة واحدة
إذا وصلت هذه الأوراق إلى مريم، فهذا يعني أن أولادي خذلوها.

وضعت يدي على فمي.
ولأول مرة منذ دفن زوجي…
بكيت.
لكن دموعي لم تكن بسبب الخوف.
كانت بسبب شيء آخر.
لأنني أدركت أن زوجي لم يتركني وحيدة.
لقد كان يستعد لحمايتي حتى بعد موته.
وفي تلك اللحظة رن هاتف المحامي.
نظر إلى الشاشة.
ثم إليّ.
وقال
ابنك بيتصل.
تجمدت.
قلت

ما تردش.
لكنه ابتسم.
لا… هنرد.
ثم ضغط زر الإجابة ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
جاء صوت ابني غاضبًا
فين أمي؟!
لم أتكلم.
قال المحامي بهدوء
السيدة مريم موجودة معايا.
ساد الصمت.
ثم قال ابني
إنت مين؟
ابتسم المحامي.
الشخص اللي هيشرح لك دلوقتي مين اللي يملك البيت والشركة.
لم يصدر صوت من الطرف الآخر.
ثم سمعت ابني يقول
ماما… إحنا كنا بنحاول نساعدك.
نظرت إلى الملف أمامي.
ثم قلت للمرة الأولى منذ أن تركني على الطريق
لا يا ابني.
سكت.

قلت
إنت ما كنتش بتساعدني.
ثم أغلقت الهاتف.
لكنني لم أكن أعرف أن هذه المكالمة كانت مجرد البداية.
لأن المحامي كان يخفي عني شيئًا أخطر بكثير…
شيئًا يتعلق بوفاة زوجي نفسها.
فبعد أن أغلق الهاتف، أخرج ملفًا أسود من خزنة صغيرة خلفه.
ووضعه أمامي.
وقال
في حاجة زوجك طلب مني ما أقولهاش لك إلا بعد ما يتأكد إن أولادك حاولوا يطردوك من بيتك.
نظرت إليه.
إيه هي؟
فتح الملف ببطء.
ثم قال
زوجك لم يمت ميتة طبيعية.
شعرت أن الدم انسحب من وجهي.
رفعت عيني إليه.
إنت بتقول إيه؟
أشار إلى تقرير طبي موجود داخل الملف.
ثم قال
كان فيه شيء في تحاليله الأخيرة.
توقفت أنفاسي.
مادة غريبة دخلت جسمه قبل وفاته بأيام.
ثم نظر إليّ مباشرة.
والشرطة وقتها اعتبرت  طبيعية.

سكت لحظة.
وأضاف
لكن زوجك طلب مني أحتفظ بالدليل.
نظرت إلى الورقة.
ثم إلى اسم ابني المكتوب على أحد المستندات.
وفي تلك اللحظة فقط…
فهمت أن الطريق الذي تركني فيه ابني لم يكن مجرد محاولة للتخلص مني.
ربما كان يحاول إخفاء شيء أخطر بكثير.
شيء لو ظهر…
لن يخسر البيت والشركة فقط.
بل قد يخسر حريته أيضًا.
وهذه المرة…
أنا التي كنت أملك الدليل.
لم أستطع تحريك عيني عن الورقة.
مين عمل كده؟
خرج السؤال من فمي بصعوبة.
المحامي لم يجب مباشرة.
قال
زوجك لم يكن متأكدًا من الشخص. لكنه كان متأكدًا من شيء واحد.
إيه؟
إن حد قريب منه كان بيحاول يسرّع موته.
فتح درجًا آخر وأخرج فلاشة صغيرة.
دي فيها تسجيلات من كاميرات الشركة، وتحويلات مالية، ورسائل.
نظرت إليه.
وليه ما سلمتهاش للشرطة؟
قال بهدوء
لأن زوجك طلب مني أنتظر لحد ما يكون عندي دليل كافي.
ثم أضاف
والآن عندنا.
في اليوم التالي، توجهنا إلى الشرطة.
قدمت كل شيء.
التسجيلات.

التحويلات.
التقارير الطبية.
والأخطر…
رسائل ابني إلى شخص مجهول قبل وفاة والده بأيام.
كانت هناك رسالة واحدة جعلت يدي ترتجف
لازم الموضوع يخلص قبل ما يغير الوصية.
لكن الرسالة لم تكن موقعة باسم ابني.
وهنا ظهرت المفاجأة.
الرقم لم يكن رقمه.
كان رقم ابنتي.
عندما استدعتها الشرطة، انهارت بعد أقل من ساعة.
اعترفت بأنها كانت تعرف أن شقيقها يريد السيطرة على أموال والدنا.
واعترفت بأنها ساعدته في تزوير بعض الأوراق.
لكنها أقسمت أنها لم تعرف شيئًا عن تسميم والدها.
ثم قالت شيئًا جعل الجميع يصمت
أخويا هو اللي كان بيتعامل مع الراجل.
سألها المحقق
أي راجل؟
بدأت تبكي.
اللي كان بيجيب له الأدوية.
في تلك اللحظة، بدأت الصورة تكتمل.
لم يكن ابني قد خطط وحده.
كان هناك رجل يعمل مع الشركة، وكان هو المسؤول عن بعض الأدوية التي وصلت إلى زوجي.
تم القبض عليه بعد أيام.

وبعد التحقيق، اعترف.
لم يكن القتل مخططًا بالطريقة التي تخيلناها.
كان ابني يريد فقط أن يجعل والده مريضًا بدرجة تكفي لإجباره على التنازل عن بعض صلاحياته.
لكن الجرعة الخاطئة تسببت

في مضاعفات قاتلة.
وعندما أدرك ابني أن والده مات، لم يتصل بالشرطة فورًا.
اختار أن يخفي كل شيء.
ثم بدأ تنفيذ خطته التالية
الاستيلاء على الشركة والبيت.
لكن زوجي كان قد سبقهم جميعًا.
بعد أشهر، انتهت القضية.
أُدين ابني بالتآمر والاحتيال وإخفاء أدلة مهمة.
أما ابنتي، فحصلت على حكم أخف بعد تعاونها الكامل مع التحقيق.
لم أشعر بالانتصار.
كانا أولادي في النهاية.
لكنني أدركت أن التسامح لا يعني أن أسمح لهم بتدمير حياتي مرة أخرى.
أما الشركة…
فقد عدت لإدارتها.
لم أكن أعرف شيئًا عن تفاصيلها من قبل.

لكن زوجي كان قد ترك لي فريقًا كاملًا من الأشخاص المخلصين، وبدأت أتعلم كل شيء خطوة بخطوة.
وبعد عام واحد، أصبحت الشركة أقوى مما كانت عليه.
أما البيت…
فلم أتركه.
احتفظت بكل غرفة كما هي.
كرسي زوجي.
مكتبته.
وصور أولادي عندما كانوا أطفالًا.
لكنني أزلت صورة واحدة فقط.
الصورة التي كانت تجمع ابني وابنتي معي في حفل تخرجهما.
لم أعد أستطيع النظر إليها.
وفي صباح يوم هادئ من أيام الربيع، ذهبت إلى قبر زوجي.
وقفت أمامه طويلًا.
وضعت الزهور على قبره وقلت
أنا كويسة.
ضحكت رغم دموعي.
وعارفة إنك لو كنت موجود كنت هتزعق لي عشان فضلت قوية لوحدي.
ثم جلست أمام قبره.
وأخرجت من حقيبتي المفتاح الصغير نفسه.
نظرت إليه للحظات.
كان المفتاح الذي أنقذ حياتي.
لكنه لم يكن أهم شيء تركه لي زوجي.

الأهم كان الرسالة التي وجدتها بعد انتهاء القضية.
كانت آخر رسالة كتبها بخط يده.
فتحْتها مرة أخرى.
وكان فيها
مريم، لو وصلتي للرسالة دي، فمعناه إنك اضطررتي تبدأي حياتك من جديد. ما تخافيش. إنتِ أقوى مما تتخيلي. وأنا ما بنيتش كل ده عشان أولادي يرثوه… بنيته عشان إنتِ ما تحتاجيش حد بعدي.
أغلقت الرسالة.
وبكيت.
لكن هذه المرة كانت دموع راحة.
فأنا لم أعد المرأة التي تركها ابنها في طريق مهجور.
لم أعد أرملة تنتظر من أبنائها الرحمة.
كنت صاحبة البيت.
وصاحبة الشركة.
والمرأة التي نجت من أكبر خيانة يمكن أن تتعرض لها أم.
وبعد عامين، جاءني ابني من السجن يطلب أن يراني.
فكرت طويلًا.
ثم وافقت.
جلس أمامي.
كان مختلفًا.

أضعف.
وأكثر هدوءًا.
قال
أنا آسف يا أمي.
نظرت إليه.
عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟
هز رأسه.
قلت
مش إنك رميتني على الطريق.
سكت.
اللي وجعني إنك كنت فاكر إن قيمتي كلها في البيت والشركة.
خفض رأسه.
قلت
أنت خسرت كل حاجة يوم قررت تبيع أمك.
بكى.
وللحظة شعرت أن قلبي يريد أن يحتضنه كما كان يفعل عندما كان طفلًا.
لكنني لم أفعل.
وقفت وقلت
أنا سامحتك.
رفع عينيه نحوي.
ثم أضفت
لكن المسامحة مش معناها إنك ترجع لحياتي زي الأول.
خرجت من الغرفة.
وتركت الباب خلفي.
لكن هذه المرة…
أنا من كنت أقرر إلى أين أذهب.
عدت إلى البيت.
فتحت النوافذ.
دخل ضوء الشمس إلى غرفة المعيشة.
نظرت إلى الكرسي الفارغ الذي كان زوجي يجلس عليه.
وابتسمت.
لقد ظن أولادي أنني عندما فقدت زوجي فقدت كل شيء.
لكنهم لم يعرفوا الحقيقة.
أنا لم أفقد حياتي يوم مات زوجي.
أنا بدأت حياة جديدة.
والمرأة التي تركوها وحيدة في طريق ترابي…
لم تعد وحيدة أبدًا.
لأنها اكتشفت أخيرًا أن أقوى شيء يمكن أن تملكه امرأة بعد الخذلان…
ليس المال.
ولا البيت.
ولا الشركة.
بل قدرتها على الوقوف من جديد.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سألني أحد عن أكثر لحظة غيرت حياتي، كنت أبتسم وأقول
اليوم اللي ابني نزلني فيه من عربيته على طريق مهجور.
ثم أضيف
لأنه كان فاكر إنه  من حياتي…
وما كانش يعرف إنه كان بيديني المفتاح لحياة جديدة.
النهاية.
حكايات حماده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى