السيدة العجوز والذئب

في تلك الليلة، لم تكن مارثا تعلم أن فتح باب كوخها أمام ذئب جر سيحوّل منزلها الصغير إلى ساحة رعب وأن الحيوان الذي أنقذته من الموت سيكون هو نفسه السبب في ظهور قطيع كامل أمام بابها. لكن الأكثر رعبًا لم يكن وصول الذئاب بل ما حدث بعد أن الباب!
كان الشتاء قد قرر أن يكشف عن أقسى وجه له.
ثلوج كثيفة غطت كل شيء، والرياح كانت تعصف بين الأشجار كأنها أصوات بشر يصرخون في أعماق الغابة. الطريق المؤدي إلى القرية الصغيرة اختفى تقريبًا تحت طبقات الثلج، ولم يعد أحد يغامر بالخروج بعد حلول الظلام.
في نهاية ذلك الطريق، وعلى مسافة بعيدة عن أقرب منزل، كانت تعيش امرأة مسنة تدعى مارثا، تبلغ من العمر اثنين وسبعين عامًا.
كانت تعيش وحدها.
منزلها الخشبي الصغير كان يقع عند حافة غابة شاسعة، وكانت أقرب المنازل إليها بعيدة بما يكفي لتجعل أي بلا فائدة.
اعتادت مارثا الوحدة.
اعتادت أيضًا الشتاء.
لكنها لم تعتد أبدًا ما كانت تسمعه في الليل من داخل الغابة.
عواء طويل ثم عواء آخر يرد عليه من مكان أبعد.
كانت تعرف أن الذئاب تعيش هناك.
لكنها لم تكن تخاف منها كثيرًا، لأنها طوال سنوات حياتها لم تقترب منها.
حتى ذلك المساء.
كانت الشمس قد اختفت منذ فترة قصيرة عندما خرجت مارثا لتجمع بعض الأغصان الجافة.
لم يكن لديها سوى كمية قليلة من الحطب، وكانت تريد أن تجمع ما يكفي لتبقي المدفأة مشتعلة طوال الليل.
لفت معطفها السميك حول جسدها، وحملت حزمة صغيرة من الأغصان، ثم بدأت تعود ببطء نحو منزلها.
كانت خطواتها تغوص في الثلج.
وكان صوت الرياح أقوى من أي شيء آخر.
لكن عندما أصبحت على بعد دقائق من منزلها، توقفت فجأة.
سمعت شيئًا.
صوتًا غريبًا.
لم يكن عواءً
ولم يكن صوت ريح.
كان أقرب إلى أنين مكتوم يتبعه زمجرة ضعيفة.
تجمدت مارثا في مكانها.
نظرت حولها.
لا شيء.
ثم سمعت الصوت مرة أخرى.
هذه المرة كان أوضح.
جاء من خلف مجموعة من الشجيرات القريبة.
قالت لنفسها إن الأفضل أن تتابع طريقها.
لكنها لم تستطع.
كان هناك شيء يتألم.
وضعت الحطب على الأرض، وأمسكت بعصا خشبية، ثم تقدمت بحذر شديد نحو مصدر الصوت.
خطوة.
ثم أخرى.
حتى وصلت إلى خلف الشجيرات.
وهناك رأته.
ذئب ضخم.
كان مستلقيًا وسط الثلج، وجسده يرتجف من البرد.
كان فروه الرمادي مغطى بالجليد، وأنفاسه تخرج بصعوبة.
لكن أكثر ما لفت انتباه مارثا كان إحدى قوائمه الأمامية.
كانت عالقة داخل مصيدة معدنية قديمة.
كان الذئب قد حاول تحرير نفسه لساعات.
كانت الثلوج المحيطة به مليئة كان قد حفر الأرض بعنف، وحاول سحب قدمه مرارًا، حتى نزفت أطرافه وفقد معظم قوته.
عندما رآها، رفع رأسه.
وأطلق زمجرة منخفضة.
تراجعت مارثا خطوة.
قلبها كان يخفق بشدة.
كانت تعرف جيدًا أن الحيوان أمامها ليس كلبًا ضالًا.
إنه ذئب بري.
وذئب جريح ومحاصر قد يكون أخطر من أي حيوان آخر.
كان بإمكانها أن تستدير وتعود إلى منزلها.
وربما كان ذلك هو القرار الأكثر أمانًا.
لكنها نظرت إلى عينيه.
لم ترَ فيهما الغضب فقط.
رأت الخوف.
رأت الإرهاق.
ورأت مخلوقًا يعرف أنه على وشك الموت.
همست
اهدأ لن أؤذيك.
اقتربت ببطء.
كان الذئب يراقبها دون أن يحرك رأسه.
مدت يدها نحو المصيدة، لكنها كانت متجمدة تمامًا.
حاولت فتحها.
لم تتحرك.
استخدمت حجرًا صغيرًا.
ثم قطعة من الخشب.
ثم عادت للمحاولة بكل قوتها.
مرت دقائق طويلة.
كانت أصابعها تتجمد، لكنها لم تتوقف.
وفجأة
انفتحت المصيدة.
سحب الذئب قدمه بسرعة.
حاول الوقوف.
ارتفع نصف جسده
ثم سقط مرة أخرى.
توقفت مارثا.
فهمت الحقيقة.
هذا الحيوان لن ينجو إذا تركته هنا.
كانت درجة الحرارة تنخفض بسرعة، والثلج يزداد، والذئب لم يعد قادرًا حتى على الوقوف.
ركضت مارثا إلى منزلها.
أحضرت بطانية قديمة، ثم عادت.
كانت المهمة شبه مستحيلة بالنسبة لامرأة في الثانية والسبعين، لكنها لم تستسلم.
لفت البطانية حول جسد الذئب، وسحبته بصعوبة عبر الثلج.
توقفت أكثر من مرة لتلتقط أنفاسها.
وأخيرًا وصلت إلى مخزن صغير ملحق بالمنزل.
كان المكان أكثر دفئًا.
وضعت الذئب بالقرب من المدفأة.
أحضرت له الماء وبعض قطع اللحم.
في البداية لم يتحرك.
ثم رفع رأسه ببطء وشرب.
بعدها بدأ يأكل.
جلست مارثا على بعد أمتار منه.
لم تلمسه.
لم تحاول الاقتراب أكثر.
كانت تعرف أنها أمام حيوان بري، وأن الثقة بينهما لا يمكن أن تُبنى في ليلة واحدة.
لكنها شعرت بالارتياح.
لقد أنقذته.
أو هكذا اعتقدت.
في منتصف الليل، استيقظت مارثا أكثر من مرة لتتفقده.
في كل مرة كانت تفتح الباب بحذر.
وفي المرة الأخيرة، لاحظت شيئًا غريبًا.
الذئب لم يعد يرتجف.
كان مستلقيًا بهدوء.
أنفاسه أصبحت أكثر انتظامًا.
لم تكن تعلم أن الغابة في الخارج كانت تستعد لشيء آخر تمامًا.
مع أول ضوء للصباح
استيقظت مارثا على صوت لم تسمعه بهذه القوة من قبل.
العواء.
كان قريبًا جدًا.
ثم جاء عواء آخر.
ثم ثالث.
ثم عشرات الأصوات.
فتحت عينيها.
جلست على السرير.
أصغت.
الصوت لم يتوقف.
كان يحيط بالمنزل من كل الجهات.
اقتربت مارثا من النافذة.
أزاحت الستارة ببطء.
ثم تجمدت في مكانها.
لم تستطع الكلام.
في الخارج
كانت الذئاب.
واحد.
اثنان.
خمسة.
عشرة.
ثم أدركت أن عددها أكبر بكثير.
كانت عشرات الذئاب تحيط بالمنزل.
بعضها يقف عند السياج.
بعضها يتحرك في دوائر حول المخزن.
ثم تراجعت.
بدأت الذئاب تتحرك بعصبية.
أحدها اقترب من الباب وشم الخشب.
آخر بدأ يخدش الأرض بمخالبه.
ثم أطلق ذئب ضخم عواءً جعل بقية القطيع يرد عليه في اللحظة نفسها.
وضعت مارثا يدها على فمها.
ثم تذكرت الذئب الموجود في المخزن.
قالت لنفسها
إنهم يبحثون عنه.
كانت تحاول التفكير.
ربما كان القطيع عائلته.
ربما كان قائدًا بينهم.
وربما جاءوا فقط لاستعادته.
وجدت مارثا نفسها أمام خيار .
إذا أبقت الذئب داخل المخزن، فقد تستمر الذئاب في محاصرة المنزل.
وإذا أخرجته، ربما يغادر القطيع.
لذلك أمسكت بمفتاح المخزن.
فتحت الباب الخارجي للمنزل بحذر.
ثم تقدمت نحو المخزن.
كانت الذئاب تراقبها.
لكنها لم تهاجم.
وصلت إلى الباب.
فتحت القفل.
وفي اللحظة التي انفتح فيها الباب
اندفع الذئب إلى الخارج.
كان لا يزال ضعيفًا.
لكنه وقف.
نظر إلى القطيع.
تقدمت عدة ذئاب نحوه.
ظنت مارثا أن الأمر انتهى.
وأن القطيع سيأخذه ويغادر.
لكنها كانت مخطئة.
بعض الذئاب بقيت في مكانها.
وبعضها بدأ يقترب من المنزل.
ثم سمعَت صوت ارتطام قوي.
دوم!
اهتز الباب.
شهقت مارثا.
ثم جاء ارتطام آخر.
دوم!
بجسده.
ثم انضم إليه آخر.
ثم ثالث.
تراجعت مارثا.
لا لا
لم يكن الباب مصنوعًا لتحمل ذلك.
كانت ألواحه الخشبية قديمة.
وفي الضربة التالية
انكسر الباب.
اندفعت عدة ذئاب إلى الداخل.
صرخت مارثا وركضت نحو الغرفة المجاورة.
لكنها لم تصل.
أحد الذئاب اصطدم بها وأسقطها أرضًا.
سقطت على ظهرها.
حاولت الزحف بعيدًا.
لكن الحيوانات أحاطت بها.
بدأت تصرخ.
تحاول حماية وجهها بيديها.
وتحاول دفعها بعيدًا.
لم تكن تعرف كم ثانية مرت.
ربما عشر.
ربما دقيقة.
بالنسبة إليها، بدا الوقت وكأنه توقف.
كانت مقتنعة أنها .
ثم
حدث شيء لم تتوقعه.
ارتفع صوت زمجرة هائلة من عند الباب.
توقفت الذئاب للحظة.
رفعت مارثا رأسها.
وكان هناك
الذئب الذي أنقذته.
عاد.
كان يقف بين مارثا والقطيع.
لم يعد يبدو ضعيفًا كما كان قبل ساعات.
وقف بجسده أمامها، وأطلق زمجرة قوية جعلت بقية الذئاب تتراجع.
ثم اندفع نحو أحدها.
بدأت الفوضى.
واحدًا تلو الآخر.
خرجت من المنزل.
ثم وقف الذئب الذي أنقذته عند الباب.
نظر إلى مارثا للحظات.
كانت عيناه ثابتتين عليها.
ثم استدار.
وتبع القطيع إلى الخارج.
اختفى بين الثلوج.
وبقيت مارثا وحدها.
دخل وهو ينادي اسم مارثا.
لم تجبه.
بحث عنها حتى وجدها ملقاة على الأرض.
كانت على قيد الحياة.
تم نقلها إلى المستشفى، وبقيت هناك فترة طويلة تتلقى العلاج.
وعندما بدأت حالتها تستقر، أخبرها الأطباء أنها كانت محظوظة للغاية.
أما خبراء الحياة البرية، فكان لديهم تفسير مختلف لما حدث.
قالوا إن الذئب ربما كان جزءًا من فكان
لماذا عاد الذئب إليها في اللحظة الأخيرة؟
هل كان يتذكر أنها أنقذته؟
هل كان يحاول رد الجميل؟
أما الغابة التي كانت تراها كل صباح من نافذتها، فلم تعد تبدو لها كما كانت من قبل.
فكلما جاء الشتاء
وغطى الثلج الأشجار
كانت تتذكر تلك الليلة.
تتذكر الذئب العالق في المصيدة.
تتذكر عينيه عندما وجدته.
وتتذكر عشرات الذئاب وهي تحاصر منزلها.
لكن أكثر شيء ظل عالقًا في ذاكرتها
هو اللحظة التي عاد فيها الذئب إليها.
ففي عالم البشر، قد تنقذ شخصًا ولا تتوقع منه شيئًا.
وفي عالم الحيوانات البرية، قد لا تفهم أبدًا لماذا حدث ما حدث.
لكن مارثا كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط
لو أنها مرت بجوار ذلك الذئب في ذلك المساء وتركتْه يموت، لما عرفت أبدًا ماذا كان سيحدث.
وربما كانت تلك هي المفارقة الأكثر رعبًا في القصة كلها
أن الرحمة التي دفعتها إلى إنقاذ مخلوق بري من الموت
هي نفسها التي كادت أن تودي بحياتها في صباح اليوم التالي.
ومع ذلك، عندما سألها أحدهم بعد أسابيع
لو عاد بك الزمن إلى تلك الليلة هل كنت ستتركين الذئب في المصيدة؟
صمتت مارثا طويلًا.
ثم قالت
لا.
حتى بعد كل ما حدث؟
نظرت إلى النافذة.
ثم أجابت بهدوء
كنت سأحرره من المصيدة لكنني كنت سأتركه في الغابة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد مارثا تنظر إلى الثلج بالطريقة نفسها.
فكلما سمعت عواءً بعيدًا بين الأشجار، كانت تتوقف للحظة
وتتساءل
هل كان الذئب الذي أنقذته قد عاد يومًا إلى المكان الذي أنقذته فيه؟
لم تعرف الإجابة.
لكنها لم تنسَ عينيه أبدًا.
عيني الحيوان الذي أنقذته من الموت
ثم عاد، في اللحظة الأخيرة، ليقف بينها وبين الموت.
وهكذا، تحولت ليلة بدأت بامرأة مسنة تمد يدها بالرحمة إلى واحدة من أكثر ليالي حياتها رعبًا ليلة جعلتها تدرك أن البرية قد تكون قاسية، غامضة، وخطيرة، لكنها أحيانًا تترك خلفها أسرارًا لا يستطيع الإنسان تفسيرها مهما حاول.







