أخر الأخبار

بعد خمس دقايق من طلاقنا

بعد خمس دقايق من طلاقنا، طليقي بصلي وقال: «خدي البنات… أنا خلاص هيكون عندي ابن.» وأنا ما جادلتش ولا طلبت منه يرجع في كلامه. أخدت بنتينا وسافرت بيهم بره البلد. وفي نفس الوقت، سبعة أفراد من عيلته اتجمعوا عند شريكته الجديدة في السونار، فرحانين بالولد اللي كانوا من دلوقتي بيسموه «الوريث». لكن في نص الكشف، الدكتورة فجأة سكتت، ورجعت تبص في ملفاتها، وسألت سؤال واحد محدش كان متوقعه. كل اللي في الأوضة بصوا لها في نفس اللحظة… والغرور اختفى من على وش طليقي.

بعد خمس دقايق من الطلاق… سافرت بره البلد مع بنتيَّ

كانت الساعة المعلقة على الحيطة بتشير لـ 10:16 الصبح، وأنا بحط إمضتي على آخر صفحة في ورق الطلاق.

الإمضا دي كانت معناها إن جوازي اللي استمر 11 سنة انتهى رسميًا.

لأكتر من عشر سنين، كنت لينا هارتويل حليم.

لكن الساعة 10:17 من نفس الصبح، رجعت تاني لينا هارتويل.

طول الشهور اللي فاتت، تخيلت اللحظة دي مئات المرات.

كنت فاكرة إني هرتعش.

وكنت متخيلة إني هعيط أول ما أشوف اسمي القديم مكتوب على الورق.

يمكن جزء صغير جوايا كان لسه هيتمنى أوقف كل حاجة وأسأل نفسي:

هل معقول 11 سنة كاملة تنتهي بكام إمضا على ترابيزة اجتماعات؟

لكن ولا حاجة من دي حصلت.

على العكس…

حسيت بهدوء غريب.

كان إحساس شبه إحساس حد بيفتح باب بعد ما قضى سنين جوه أوضة الهوا فيها بقى تقيل لدرجة إنه مش قادر يتنفس.

ولأول مرة من وقت طويل…

قدرت أتخيل إن حياتي ممكن تبدأ من جديد.

قدامي كان قاعد الراجل اللي بقى رسميًا طليقي.

كريم حليم.

هو بالكاد بصلي.

مضى باسمه، وزق الورق ناحية الوسيط، وبعدها على طول مسك موبايله.

مفيش حتى وقفة صغيرة يستوعب فيها اللي حصل.

مفيش كلمة أخيرة.

مفيش حتى وداع بعد 11 سنة جواز.

اهتمامه كان في مكان تاني خالص.

المكالمة اتفتحت تقريبًا في نفس اللحظة.

قال كريم:

— خلاص… الموضوع انتهى.

صوته كان أخف من أي وقت طول الصبح.

وبعدها قام وبدأ يلم حاجته.

— أنا جاي لك دلوقتي. معادك الساعة 11 لسه، صح؟

مكانش محتاج يقول اسمها.

أنا كنت عارفة كويس جدًا مين على الناحية التانية.

بريهان فوزي.

الست اللي كريم فضل لمدة تمانية شهور يقول لي عليها:

«دي مجرد صاحبة.»

سمعت الجملة دي لدرجة إنها بقت بالنسبالي مالهاش أي معنى.

لما كنت بسأله عن الرسايل المتأخرة بالليل، كانت مجرد صاحبة.

لما بدأ فجأة يلاقي أعذار عشان يقعد بره البيت وقت أطول، كانت مجرد صاحبة.

ولما بقى بيخبي موبايله عني بشكل مبالغ فيه، كان بيقنعني إني أنا اللي بتخيل حاجات.

وفي الآخر…

بطلت أسأل.

الحقيقة كانت واضحة من زمان، حتى قبل ما كريم نفسه يعترف بيها.

لكن في الصبح ده، وأنا واقفة قدامه، حصلت حاجة غيرت كل شيء.

ابتسم.

مش الابتسامة الرسمية اللي كان بيعملها قدام المحامين والوسطاء.

لأ.

دي كانت ابتسامة حقيقية.

فرحان.

متحمس.

ابتسامة ما شفتهاش موجهة ليا من سنين.

وقال في الموبايل:

— قولي لابننا الصغير إن باباه جاي له.

نزلت عيني على الورق اللي قدامي.

كده بسرعة؟

جوازنا لسه مخلصش بقاله حتى دقيقتين، وكريم خلاص بيتكلم عن عيلة جديدة.

قفل المكالمة.

ولأول مرة من ساعة ما مضينا، بصلي في عيني.

كان في حاجة شبه الفخر في نظرته.

وقال:

— إنتِ سمعتي يا لينا.

ما رديتش.

لكنه كمل:

— بريهان حامل في ولد.

وبعدها ابتسم تاني.

— أبويا وأمي طايرين من الفرحة. أهو على الأقل طلع من المصيبة دي حاجة كويسة.

فضلت باصة له كام ثانية.

المصيبة اللي بيتكلم عنها بكل برود…

كانت زمان عيلتنا.

11 سنة جواز.

بيت بنيناه سوا.

والأهم من كل ده…

بنتين صغيرين لسه بينادوه بابا.

لكن كريم ما كانش خلص كلامه.

حط موبايله في جيبه، وشال جاكته.

وبنفس الهدوء اللي ممكن حد يتكلم بيه عن خطط آخر الأسبوع، قال الجملة اللي أخيرًا شالت آخر ذرة تردد كانت جوايا:

— خدي البنات يا لينا. أنا خلاص هيكون عندي ابن.

ما جادلتش.

ما فكرتهوش إن البنات مش حاجة الأب يستبدلها لمجرد إن جه ولد.

وما طلبتش منه حتى يعيد التفكير.

بس بصيت لكريم فترة طويلة.

وبعدين قفلت نسخة ورق الطلاق بتاعتي، وحطيتها بهدوء في شنطتي.

اللي كريم ما كانش يعرفه…

إن جوازات سفر بنتيَّ كانت متجهزة بالفعل.

وتذاكر السفر كانت اتحجزت.

وفي الوقت اللي عيلته كلها كانت بتستعد تتجمع حوالين بريهان ويحتفلوا بالمستقبل اللي كانوا فاكرين إنه مستنيهم…

كنت أنا وبنتيَّ على وشك نبدأ حياة مختلفة تمامًا، على بُعد آلاف الكيلومترات.

وقبل ما كريم يستوعب إن الصبح ده ما مشيش بالطريقة اللي كان متوقعها…

كنا هنكون اختفينا خلاص.

والأغرب من كده؟

قبل ما احتفال السونار بتاع عيلته يخلص، سؤال واحد من الدكتورة هيخلي كل شخص في الأوضة يتساءل:

هل الحكاية اللي كانوا بيحتفلوا بيها من البداية كانت فعلًا زي ما هما فاكرين؟

كنت مستنية أحس بحاجة.

حزن.

غضب.

حتى ندم.

لكن مفيش.

فتحت موبايلّي وبصيت على الساعة.

10:21.

اتصلت بالسواق اللي كنت متفقة معاه من قبل.

— العربية جاهزة؟

رد فورًا:

— أيوه يا مدام لينا. البنات مستنيين في البيت، وكل الشنط اتحطت في العربية.

غمضت عيني للحظة.

البنات.

ده كل اللي كان يهمني.

رجعت البيت للمرة الأخيرة.

مش عشان كريم.

عشان آخد بنتيَّ.

أول ما دخلت، لقيت نور قاعدة على السلم، وحاضنة شنطتها الصغيرة، وجنبها أختها سارة ماسكة الدبدوب بتاعها.

بصت لي نور وسألت:

— ماما… بابا هييجي معانا؟

سؤال بسيط.

لكنه وجعني أكتر من أي كلمة قالها كريم النهارده.

نزلت لمستواها، وحضنتها.

— لأ يا حبيبتي.

— هنروح فين؟

بصيت لسارة، وبعدها لنور.

— هنبدأ حياة جديدة.

نور سكتت شوية.

وبعدين سألت:

— لوحدنا؟

ابتسمت رغم إن عيني كانت بتوجعني.

— لأ… إحنا التلاتة مع بعض.

ما كانش عندي وقت أشرح لهم إن أبوهم اختار حياة تانية.

ولا إن جدتهم كانت من شهور بتعاملهم كأنهم مجرد بنات مؤقتين، لحد ما ييجي الولد اللي هيشيل اسم العيلة.

ولا إن أبوهم قال لي النهارده بكل بساطة:

“خدي البنات… أنا خلاص هيكون عندي ابن.”

الأطفال مش لازم يشيلوا ذنوب الكبار.

طلعت بيهم.

قبل ما أقفل باب البيت، بصيت للمكان مرة أخيرة.

11 سنة من عمري كانت هنا.

ضحكات.

خناقات.

ليالي كنت بستنى فيها كريم يرجع.

ومرات كتير نمت وأنا مقتنعة إن المشكلة فيا.

إن لو كنت أهدى…

أجمل…

أقل طلبًا…

كان ممكن يحبني أكتر.

لكن الحقيقة كانت أبسط من كده.

هو بس…

ما كانش عايزني.

قفلت الباب.

ورميت المفتاح في صندوق البريد.

وبعدين مشيت.

على الناحية التانية من المدينة، كانت عيلة كريم متجمعة في عيادة النساء والولادة.

سبعة أشخاص.

أبوه وأمه.

أخته الكبيرة وزوجها.

أخوه الأصغر.

وعمته.

وبريهان.

كلهم كانوا قاعدين في غرفة السونار وكأنهم داخلين يحضروا إعلان وريث مملكة.

والدة كريم كانت ماسكة سبحة، لكن مش بتسبّح.

كانت بتتكلم بحماس:

— أنا حاسة إنه هيطلع شبه كريم.

عمته ضحكت.

— المهم يطلع ولد. العيلة محتاجة اسم جديد يكمل.

بريهان ابتسمت وهي حاطة إيدها على بطنها.

أما كريم…

فكان قاعد جنبها.

وشه مختلف.

مبسوط.

واثق.

شايف المستقبل قدامه.

كان متخيل إن النهارده هيبدأ أول صفحة في حياته الجديدة.

وفي اللحظة دي، دخلت الدكتورة.

ابتسمت للجميع.

— صباح الخير.

الكل رد عليها تقريبًا في نفس الوقت.

وبريهان مدت إيدها.

— أنا جاهزة.

الدكتورة بدأت الفحص.

الشاشة قدامهم اتحركت.

والكل قرب.

والدة كريم قالت بحماس:

— هو ده البيبي؟

الدكتورة ابتسمت.

— أيوه.

الكل بدأ يضحك.

والد كريم ضرب إيد ابنه بخفة:

— شوفت؟ قلت لك ولد.

كريم ابتسم بثقة.

— لسه بدري على التأكيد.

لكن والدته قاطعته:

— لأ، إحنا عارفين إنه ولد. أنا حلمت بيه.

ضحكوا.

ثم فجأة…

الدكتورة سكتت.

ابتسامتها اختفت.

إيدها توقفت على الماوس.

بصت للشاشة.

وبعدين بصت للملف الموجود قدامها.

رجعت بصت للشاشة تاني.

الضحكة اختفت من الغرفة.

كريم اعتدل في قعدته.

— في إيه؟

الدكتورة ما ردتش.

قلبت صفحة في الملف.

وسألت بريهان:

— حضرتك متأكدة إن ده أول حمل ليكي؟

بريهان رمشت باستغراب.

— أيوه.

الدكتورة رفعت عينيها.

— متأكدة؟

— أيوه… طبعًا.

الصمت بقى تقيل.

والدة كريم قالت:

— هو في حاجة في البيبي؟

الدكتورة ما ردتش على السؤال.

بدل كده سألت:

— حضرتك عملتي أي فحوصات أو أشعة في مكان تاني قبل كده؟

بريهان بدأت تتوتر.

— لأ… ليه؟

الدكتورة أخذت نفسًا ببطء.

— لأن فيه حاجة مش راكبة.

كريم وقف.

— يعني إيه مش راكبة؟

الدكتورة بصت له.

وبعدين بصت لبريهان.

ثم قالت:

— أنا محتاجة أسألك سؤال تاني قبل ما نكمل.

بريهان بلعت ريقها.

— اسألي.

الدكتورة قالت:

— تاريخ آخر دورة عندك كان إمتى بالضبط؟

بريهان ردت بالتاريخ.

الدكتورة فتحت الملف بسرعة.

قعدت تحسب.

مرة.

واتنين.

وبعدين رفعت عينيها.

اللون اتغير من وشها.

قالت بهدوء شديد:

— التاريخ ده مستحيل.

كريم قرب منها.

— مستحيل إيه؟

الدكتورة بصت له مباشرة.

— الحمل مش بالمدة اللي حضرتكوا فاكرينها.

والدة كريم قامت من مكانها.

— يعني إيه؟

الدكتورة سكتت ثانيتين.

ثم قالت:

— الجنين أكبر بكتير من العمر اللي اتقال لنا.

كريم عقد حاجبيه.

— قد إيه؟

الدكتورة ما ردتش فورًا.

كانت بتبص في الشاشة.

ثم قالت:

— حوالي شهرين.

الغرفة كلها سكتت.

كريم بص لبريهان.

— إنتِ قلتي لي إنك حامل من…

بريهان قاطعته بسرعة:

— أنا كنت فاكرة!

الدكتورة رفعت إيدها.

— استنوا.

وبصوت أكثر جدية قالت:

— المشكلة مش هنا.

كريم قرب خطوة.

— أمال فين المشكلة؟

الدكتورة أشارت للشاشة.

— أنا مش شايفة إن ده الحمل الوحيد اللي لازم نتكلم عنه.

اتسعت عيون الجميع.

— يعني إيه؟

الدكتورة أخدت نفسًا طويلًا.

وبعدين قالت الجملة اللي هتغير حياة كريم حليم للأبد:

— أنا محتاجة أعرف حاجة واحدة الأول…

هل زوجتك السابقة كانت حامل وقت الطلاق؟

انحبس نفس كريم.

زوجته السابقة.

لينا.

لأول مرة من الصبح…

اختفت ابتسامته تمامًا.

لأنه فجأة افتكر حاجة واحدة.

قبل الطلاق بأيام…

لينا كانت قد قالت له:

“كريم، لازم نتكلم في موضوع مهم.”

وهو يومها ما اداهاش فرصة تكمل.

كان مشغول ببريهان.

مشغول بالولد.

مشغول بالمستقبل اللي كان متأكد إنه هيبدأ بمجرد ما يخلص من زواجه القديم.

أما دلوقتي…

فالسؤال الوحيد اللي بقى بيدور في دماغه كان:

لينا كانت عايزة تقول لي إيه؟كريم فضل واقف مكانه.

محدش في الأوضة كان بيتكلم.

حتى بريهان، اللي من شوية كانت بتضحك وتلمس بطنها بفخر، بقت باصة للدكتورة بوش شاحب.

كريم قال بصوت منخفض:

— لينا؟

الدكتورة هزت راسها.

— أيوه. أنا بس بسأل لأن توقيت الحمل اللي ظاهر قدامي مش متوافق مع اللي حضرتكوا قلتوه.

والدة كريم قالت بعصبية:

— بس إحنا جايين عشان نعرف نوع البيبي، مش عشان نفتش في حياة مرات ابني السابقة!

الدكتورة بصت لها بهدوء.

— وأنا مش بفتش في حياة حد. أنا بحاول أفهم التاريخ الطبي للمريضة.

بريهان بدأت تتحرك في سرير الفحص بتوتر.

— أنا مش فاهمة.

الدكتورة قالت:

— وأنا عشان كده محتاجة نعمل تحليل إضافي وسونار أدق.

كريم كان لسه واقف مكانه.

لكن فجأة موبايله رن.

بص للشاشة.

رقم مجهول.

رفض المكالمة.

رن تاني.

رفضها.

ثم وصلت له رسالة.

فتحها.

كانت صورة.

صورة من مطار.

فيها لينا.

واقفة بين بنتيها.

كل واحدة ماسكة شنطة صغيرة.

والتلاتة كانوا واقفين قدام بوابة السفر.

وتحت الصورة رسالة قصيرة:

“مدام لينا وصلت المطار. الطيارة هتتحرك بعد أقل من ساعة.”

كريم حس إن الأرض اتحركت من تحته.

— مين بعت الصورة دي؟

أخوه قرب منه.

— في إيه؟

كريم ما ردش.

فتح المحادثة.

لقى رسالة تانية:

“زي ما طلبت، محدش يعرف هي راحت فين.”

رفع عينيه فجأة.

— هي سافرت؟

أخوه قال:

— مين؟

كريم بص للشاشة.

— لينا.

والدته شهقت:

— سافرت بالبنتين؟

كريم هز راسه ببطء.

— أيوه.

ثم ضحك ضحكة قصيرة، عصبية.

— مستحيل.

لكن ضحكته اختفت لما افتكر جملتها الصباحية.

“خدي البنات.”

هو اللي قالها.

هو اللي سلّمها البنات بإيده.

والأسوأ…

إنه ما كانش يعرف إنها كانت مستعدة للسفر من قبلها بوقت طويل.

في المطار…

كنت قاعدة جنب الشباك.

نور نايمة على كتفي.

وسارة كانت ماسكة الدبدوب وبتبص للطائرات.

سألتني:

— ماما، هو إحنا هنرجع تاني؟

بصيت لها.

— مش قريب.

— بابا عارف إحنا رايحين فين؟

سكت.

وبعدين قلت:

— لأ.

سارة سكتت.

وبعد ثواني قالت:

— هو زعلان؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— يمكن.

لكن الحقيقة؟

أنا ما كنتش عارفة إذا كان زعلان عشاننا…

ولا عشان فقد السيطرة.

أنا كنت عارفة حاجة واحدة بس.

لو فضلت، بنتيَّ كانوا هيكبروا وهم حاسين إنهم أقل قيمة من ولد لسه ما اتولدش.

وأنا مش هسمح بده.

أبدًا.

في العيادة، الدكتورة كانت خلصت الفحص.

قالت لبريهان:

— ممكن تستني بره شوية؟ أنا محتاجة أتكلم مع الدكتور المسؤول عن الحالة.

بريهان خرجت.

لكن كريم فضل واقف.

الدكتورة بصت له وقالت:

— حضرتك زوجها؟

— أيوه.

ثم صحح نفسه:

— يعني… خطيبها.

الدكتورة سكتت لحظة.

— تمام.

فتح كريم موبايله بسرعة.

اتصل بلينا.

الرقم كان خارج الخدمة.

اتصل تاني.

نفس النتيجة.

اتصل للمرة الثالثة.

لا رد.

كتب رسالة:

“لينا، ردي عليا فورًا.”

ثم رسالة ثانية:

“إنتِ فين؟”

ثم ثالثة:

“محتاج أكلمك.”

فضل باصص للشاشة.

ولا علامة واحدة إنها شافت الرسائل.

في اللحظة دي، دخلت الدكتورة تاني.

وفي إيدها ملف.

وقالت:

— كريم؟

رفع عينيه.

— أيوه.

— لازم نتكلم.

— اتفضلي.

الدكتورة حطت الملف قدامه.

— فيه حاجة في التحاليل محتاجة تفسير.

فتح الملف.

الدكتورة قالت:

— التحليل اللي اتعمل قبل كده مش متوافق مع نتيجة النهارده.

كريم عقد حاجبيه.

— يعني التحليل القديم غلط؟

— ممكن.

سكتت.

ثم أضافت:

— وممكن تكون فيه معلومة ناقصة.

كريم رفع عينيه.

— إيه المعلومة؟

الدكتورة قالت:

— إن الحمل بدأ قبل التاريخ اللي بريهان قالت عليه.

قلبه بدأ يدق أسرع.

— قبل قد إيه؟

الدكتورة بصت له مباشرة.

— في الفترة اللي كنت حضرتك لسه متزوج فيها من لينا.

كريم ما اتكلمش.

كأن حد ضربه في صدره.

ثم قال:

— إنتِ بتقولي إيه؟

— بقول إن التوقيت الطبي محتاج مراجعة دقيقة.

كريم قرب الملف منه.

— يعني الطفل…

الدكتورة قاطعته:

— أنا ما قلتش إن الطفل مش ابنك.

وسكتت لحظة.

— أنا بقول إننا لسه ما نعرفش.

الكلمة الأخيرة نزلت عليه كأنها حكم.

لسه ما نعرفش.

هو اللي كان من ساعتين واقف بفخر وبيقول:

“أنا خلاص هيكون عندي ابن.”

هو اللي قال لينا:

“خدي البنات.”

هو اللي كان شايف نفسه كسبان.

دلوقتي…

كل حاجة بقت سؤال.

على متن الطائرة، كنت ماسكة جواز سفري.

فتحته.

بصيت للاسم.

لينا هارتويل.

وبجانبه جوازات بنتيَّ.

نور هارتويل.

سارة هارتويل.

ابتسمت.

ولأول مرة من سنين، حسيت إن الاسم ده مش مجرد اسم قديم رجعت له.

كان بداية جديدة.

لكن قبل ما الطائرة تقلع بدقائق، موبايلّي اهتز.

رقم كريم.

بصيت للشاشة.

وسبتها ترن.

رن مرة.

واتنين.

وتلاتة.

وبعدين وصلت رسالة.

فتحتها.

كانت أربع كلمات فقط:

“إنتِ كنتِ حامل؟”

إيدي اتجمدت.

رفعت عيني عن الشاشة.

وبصيت للبنتين اللي قاعدين جنبي.

نور كانت نايمة.

وسارة كانت بتتفرج من الشباك على المدرج.

قفلت الموبايل.

لكن قلبي…

ما عرفش يقفل معاه.

لأن السؤال اللي كريم بعته…

كان السؤال اللي أنا نفسي كنت بهرب منه من يوم الطلاق.

وسر صغير كنت مخبياه عن العالم كله…

كان خلاص قرب وقت إنه يخرج للنور.بصيت للرسالة مرة تانية.

“إنتِ كنتِ حامل؟”

إيدي كانت ثابتة، لكن قلبي لأ.

لأني كنت عارفة إن اللحظة دي هتيجي.

بس ما كنتش متوقعة إنها تيجي بالسرعة دي.

قفلت الموبايل من غير ما أرد.

سارة لاحظت توتري.

— ماما… في حاجة؟

هزيت راسي.

— لأ يا حبيبتي.

— بابا؟

سكت.

هي فهمت من سكوتي.

— هو بعت؟

بصيت لها.

— أيوه.

— عايزنا نرجع؟

نزلت عيني للأرض.

— مش هنرجع.

سارة قربت مني ومسكت إيدي.

— حتى لو قال إنه آسف؟

الكلمة وجعتني.

لأنها كانت صغيرة جدًا على إنها تفهم إن بعض الاعتذارات بتيجي بعد ما يكون كل شيء انتهى.

ضمّيتها لحضني.

— حتى لو قال آسف.

في العيادة، كريم كان واقف قدام الدكتورة، مستني إجابة.

— هي كانت حامل؟

الدكتورة قالت:

— أنا ما عنديش أي معلومات طبية عن لينا، فمش هقدر أأكد أو أنفي.

— بس التوقيت…

— التوقيت يخليك تسأل، مش يخليك تحكم.

كريم مسح وشه بإيده.

والدته كانت واقفة وراه.

— كريم، اتصل بيها.

قال بعصبية:

— اتصلت.

— خليها ترجع.

لف لها.

— ترجع؟

— أيوه.

ضحك بمرارة.

— ترجع على فين يا أمي؟

ما ردتش.

كريم بص لبريهان، اللي كانت واقفة عند الباب.

وشها كان شاحب.

— بريهان…

هي قربت ببطء.

— نعم؟

— إنتِ قلتيلي إن الحمل حصل بعد ما أنا سيبت لينا.

بريهان هزت راسها بسرعة.

— أيوه.

— ومتأكدة؟

سكتت.

ثانية.

اتنين.

وبعدين قالت:

— كريم، إنت بتشك فيا؟

الجملة قلبت الموضوع فجأة.

والدته قالت:

— محدش بيشك فيكي، إحنا بس بنفهم.

بريهان بدأت تبكي.

— أنا كنت فاكرة إنك مصدقني.

كريم بص لها.

كان محتار.

قبل ساعات كان مستعد يخسر الدنيا كلها عشانها.

دلوقتي…

كل كلمة منها كانت بتفتح سؤال جديد.

قال بهدوء:

— أنا محتاج أعرف الحقيقة.

بريهان مسحت دموعها.

— والحقيقة إن الطفل ابنك.

الدكتورة تدخلت:

— وده شيء ممكن نعرفه طبيًا، لكن مش دلوقتي.

كريم رفع عينه.

— إمتى؟

— بعد الولادة ممكن نعمل تحليل أبوة.

صمت.

ثم قالت الدكتورة:

— أو لو الطبيب المختص شايف إن فيه سبب طبي، ممكن يتم تقييم الخيارات المتاحة أثناء الحمل.

كريم ما ردش.

لأنه فجأة افتكر لينا.

افتكر آخر أسابيع في الجواز.

كانت ساكتة.

هادية.

مش بتخانقه.

مش بتسأله رايح فين.

ولا حتى بتعاتبه لما يرجع متأخر.

كان فاكر إنها استسلمت.

لكن الحقيقة…

إنها كانت بتخطط للخروج.

وكان فيه شيء آخر كانت بتخبيه.

الطائرة بدأت تتحرك على المدرج.

أنا مسكت إيد نور وسارة.

نور فتحت عينيها.

— إحنا هنطير؟

ضحكت.

— أيوه.

— فوق السحاب؟

— أيوه.

ضحكت لأول مرة من الصبح.

والطائرة ارتفعت.

بصيت من الشباك.

المدينة بدأت تصغر تحتنا.

ومعها…

كل حاجة كنت فاكرة إنها هتفضل ماسكاني طول عمري.

بيتنا.

جوازي.

كريم.

وعيلته.

كلهم بقوا بعيد.

لكن موبايلّي كان لسه جواه رسائل.

رسالة من كريم.

ثم أخرى.

ثم أخرى.

“لينا، ردي.”

“أنا محتاج أعرف.”

“لو فيه حاجة تخصني، من حقي أعرف.”

قرأت الأخيرة أكتر من مرة.

ثم فتحت الرسائل المحفوظة عندي.

كان فيه ملف واحد.

صور.

تحاليل.

وتقرير طبي.

كنت محتفظة بيه من شهور.

لم ألمسه.

لكن دلوقتي…

بدأت أحس إن وقت فتحه قرب.

بعد ساعتين، وصلت الطائرة.

نزلنا.

وكان في شخص مستنينا عند بوابة الوصول.

راجل في الأربعينات، لابس بدلة بسيطة.

أول ما شافني، قال:

— مدام لينا؟

هزيت راسي.

— أيوه.

مد إيده.

— أنا سامح. المحامي اللي اتواصلتي معاه.

بصيت له باستغراب.

— حضرتك جيت بنفسك؟

— كان لازم.

بص للبنتين.

— المكان جاهز، وكل حاجة اتظبطت زي ما طلبتي.

مشينا معاه.

وقبل ما أركب العربية، سألته:

— كريم عرف؟

قال:

— عرف إنك سافرتي.

— وعرف ليه؟

— حد بعت له صورة من المطار.

سكت.

ثم سألته:

— والتحليل؟

سامح بص لي بجدية.

— لسه ما عرفش.

تنفست ببطء.

— كويس.

ركبت العربية.

وسارة سألت:

— ماما، إحنا رايحين بيتنا الجديد؟

ابتسمت.

— أيوه.

لكن سامح كان لسه واقف برا.

فتح باب العربية قبل ما يتحرك.

وقال:

— مدام لينا…

بصيت له.

— أيوه؟

— فيه حاجة لازم تعرفيها.

— إيه؟

— كريم مش بيسأل عن البنات بس.

سكت.

— هو بيسأل عن الحمل.

قلبي وقع.

— قال لك إيه؟

سامح بص لي في عيني.

— قال إن لو فيه طفل ليه، فهو عايز يعرف فورًا.

سكت شوية.

ثم أضاف:

— وأنا قلت له إنك هتقرري بنفسك إمتى يعرف.

بصيت قدامي.

كنت فاكرة إني لما أخرج من حياته…

هخلص منه.

لكن واضح إن الحكاية لسه بدأت.

لأن الحقيقة اللي كنت مخبياها…

ما كانتش مجرد خبر حمل.

كانت الحقيقة اللي ممكن تقلب كل اللي كريم وعيلته مصدقينه عن الـ11 سنة اللي فاتوا.

وأنا…

كنت الوحيدة اللي عارفاها كاملة.وصلنا البيت الجديد بعد حوالي نص ساعة.

كان في منطقة هادية جدًا، بعيدة عن الزحمة، والبيت صغير لكنه جميل. أول ما دخلت، نور وسارة جريوا على الأوضة اللي فيها سريرين.

— ماما! بصي!

ابتسمت وأنا واقفة عند الباب.

— عجبتكم؟

نور قفزت على السرير.

— أوي!

للحظة، حسيت إن صدري أخيرًا خف.

كنت محتاجة أشوفهم مبسوطين.

مش محتاجة أي حاجة تانية.

لكن سامح فضل واقف في الصالة، ماسك الملف اللي جابه معاه.

قال:

— لينا، لازم نتكلم.

بصيت له.

— عن كريم؟

— عن كريم… وعن الطفل.

سكت.

قعدت على الكنبة.

سامح حط الملف قدامي.

— إنتِ قلتيلي إنك مش عايزة كريم يعرف قبل ما تكوني جاهزة.

— أيوه.

— بس فيه حاجة لازم تتقال دلوقتي.

فتحت الملف.

كانت أول ورقة تقرير طبي.

بصيت للتاريخ.

إيدي اتجمدت.

سامح قال:

— التحليل ده اتعمل قبل الطلاق بستة أسابيع.

هزيت راسي.

— عارفة.

— والدكتورة أكدت الحمل؟

— أيوه.

سكت.

وبعدين قال:

— وكريم ما كانش عارف؟

— لأ.

— ليه؟

رفعت عيني له.

— لأنه وقتها كان بيقولي إن بريهان مجرد صاحبة.

سامح ما قالش حاجة.

كملت:

— ولما عرفت إنها حامل… كنت لسه بحاول أفهم أنا عايزة أعمل إيه.

— وبعدين؟

بصيت ناحية أوضة البنات.

— بعدين سمعت كريم بيقول لأهله إنه أخيرًا هيكون عنده ابن.

ابتلعت ريقي.

— وقتها فهمت إني لو قلت له إني حامل، مش هيكون بيسأل عليا أنا.

هيبقى بيسأل عن الطفل.

— وإنتِ ما كنتيش عايزة تديله فرصة؟

— مش بالطريقة دي.

سامح سكت لحظة.

ثم قال:

— بس فيه مشكلة.

بصيت له.

— إيه؟

فتح صفحة تانية.

— تاريخ الحمل.

اتوترت.

— ماله؟

— لو الحسابات الطبية صحيحة، فالحمل بدأ قبل انفصالكم الرسمي بفترة.

— عارفة.

— وده معناه إن كريم ممكن يكون أبوه.

هزيت راسي.

— ممكن.

— وإنتِ مش عايزة تعرفي؟

ضحكت ضحكة قصيرة.

— أنا عارفة.

سامح عقد حاجبيه.

— عارفة إيه؟

بصيت له مباشرة.

— أنا عارفة إن الطفل ابنه.

ساد الصمت.

— إزاي؟

أخذت نفسًا طويلًا.

— لأن الطفل مش مجرد حمل.

سامح فضل باصص لي.

— تقصدي إيه؟

فتحت آخر ورقة في الملف.

وحطيتها قدامه.

قرأها.

وبعد ثواني…

رفع عينه ببطء.

— لينا…

— أيوه.

— ده تحليل DNA؟

هزيت راسي.

— أيوه.

— إمتى عملتيه؟

— قبل الطلاق بأسبوع.

— وإزاي؟

— من غير ما يعرف.

سامح فضل ساكت.

قلت:

— النتيجة أكدت إن كريم هو الأب.

سألني:

— طب ليه مخبية عنه؟

بصيت للورقة.

— عشان في سبب تاني.

— إيه؟

رفعت عيني.

— التحليل أكد حاجة تانية كمان.

سامح اتجمد.

— إيه؟

قبل ما أجاوب…

موبايله رن.

بص للشاشة.

وشه اتغير.

— كريم.

بصيت له.

— ما تردش.

لكنه تردد.

الموبايل فضل يرن.

وبعدين وصلته رسالة.

فتحها.

قرأها.

وسكت.

قلت:

— قال إيه؟

رفع عيني لي.

— قال إن عنده نتيجة تحليل تانية.

قلبي انقبض.

— إزاي؟

سامح قال ببطء:

— بيقول إن المستشفى اتصلت بيه.

سكت لحظة.

— وإن التحليل اللي عندهم… بيقول إن بريهان حامل في طفل مش مطابق للحسابات اللي قالتها.

نظرت له.

— يعني؟

سامح قرب الموبايل مني.

كانت الرسالة واضحة:

“عايز أقابلك يا لينا. دلوقتي. لأن في حاجة اكتشفتها الدكتورة… والحاجة دي تخصك إنتِ والبنتين والطفل اللي في بطن بريهان.”

فضلت باصة للرسالة.

ثم رفعت عيني.

ولأول مرة من يوم ما سافرت…

حسيت بالخوف.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى