
# أوقفوا سيدة مسنة تقود سيارة فاخرة للتحقق من أوراقها.. لكن الحقيقة أدهشت الجميع
كان الطريق هادئًا في ذلك الصباح، والضابطان مايكل ودانيال يؤديان دوريتهما المعتادة على طريق ريفي خارج المدينة. لم تكن هناك بلاغات مهمة، وكانت.
لم تكن السيارة مسرعة، ولم ترتكب أي مخالفة واضحة، لكن مايكل ظل يراقبها للحظات قبل أن يلفت نظر زميله إليها.
قال دانيال:
ـ في إيه؟
أجاب مايكل وهو ينظر إلى السيارة:
ـ السواق ست كبيرة في السن.
نظر دانيال إلى السيارة، فرأى سيدة تبدو في أواخر الستينيات، ترتدي ملابس بسيطة وتضع غطاءً للرأس، بينما تقود السيارة بهدوء وثقة.
قال دانيال:
ـ يمكن العربية بتاعة ابنها أو حد من عيلتها.
رد مايكل:
ـ ممكن، بس خلينا نطمن إن كل حاجة تمام.
قرر الضابطان إيقاف السيارة للتحقق من بياناتها، وأضاءا إشارات الدورية.
ما إن لاحظت السيدة سيارة الشرطة خلفها، حتى خففت سرعتها وتوقفت على جانب الطريق دون أي تردد.
نزل مايكل من سيارة الدورية واتجه إليها باحترام.
فتحت السيدة النافذة وقالت بهدوء:
ـ خير يا ابني؟
ابتسم الضابط وقال:
ـ مفيش مشكلة يا حاجة، مجرد إجراء روتيني. ممكن أشوف الرخص والأوراق؟
أخرجت السيدة أوراقها وسلمتها إليه فورًا.
بدأ مايكل يراجع البيانات بدقة.
اسمها مارجريت.
رخصة القيادة سارية.
السيارة مسجلة باسمها.
ولا توجد أي مشكلة في الأوراق.
رفع الضابط عينيه إليها باستغراب وقال:
ـ حضرتك متأكدة إن العربية دي ملكك؟
ابتسمت مارجريت وقالت:
ـ أيوه طبعًا، دي عربيتي.
اقترب دانيال وسألها:
ـ اشترتيها من إمتى؟
ضحكت السيدة وقالت:
ـ من كام سنة. دي كانت واحدة من الحاجات اللي كنت بحلم بيها من زمان.
قال مايكل:
ـ الحقيقة إن العربية غالية جدًا، فإحنا حبينا نتأكد إن كل حاجة قانونية.
ردت مارجريت بهدوء:
ـ اتأكدوا براحتكم. أنا مش زعلانة، بس أتمنى إن الواحد ما يحكمش على غيره من شكله أو سنه.
تبادل الضابطان نظرة قصيرة، وشعرا بشيء من الحرج.
فهما لم يجدا أي مخالفة.
كل شيء كان سليمًا.
وقبل أن يعيدا إليها أوراقها، ظهر في الأفق رجل يقود سيارة رسمية، وما إن اقترب حتى نزل منها واتجه بسرعة نحو مارجريت.
ابتسم الرجل وقال:
ـ مدام مارجريت! حضرتك هنا؟
رفعت السيدة رأسها وقالت:
ـ أهلاً يا روبرت.
تغيرت ملامح مايكل ودانيال.
فالرجل لم يكن شخصًا عاديًا.
كان اللواء روبرت هاريس، أحد المسؤولين الأمنيين عن المنطقة.
اقترب منه الضابطان باحترام، فقال لهما:
ـ في إيه؟
رد مايكل:
ـ مجرد فحص روتيني يا فندم.
نظر اللواء إلى مارجريت ثم عاد إليهما وقال:
ـ أنتم عارفين مين هي؟
هز الضابطان رأسيهما بالنفي.
ابتسم اللواء وقال:
ـ دي مديرة مدرسة سابقة، وأفنت عمرها في التعليم. خرجت على المعاش بعد سنوات طويلة من العمل، والعربية دي اشترتها من مدخراتها ومكافأة نهاية خدمتها.
نظر مايكل إلى مارجريت باحترام واضح.
أما هي فقالت:
ـ سيبك منهم يا روبرت. دول بيعملوا شغلهم.
ثم التفتت إلى الضابطين وأضافت:
ـ بس خلو بالكم، الإنسان مش بيتقاس بالعربية اللي سايقها ولا بالهدوم اللي لابسها.
أجابها مايكل:
ـ عندك حق يا حاجة، وإحنا آسفين لو حسيناك إننا بنشك فيكي.
ابتسمت وقالت:
ـ ولا يهمكم.
وبدا أن الموقف انتهى عند هذا الحد.
لكن فجأة، جاء صوت عبر جهاز اللاسلكي.
كان هناك بلاغ عن سيارة سوداء مشابهة لسيارة مارجريت شوهدت بالقرب من أحد المواقع الحكومية، وأن السيارة قد تكون مرتبطة بمحاولة دخول غير مصرح بها.
نظر اللواء إلى السيارة، ثم إلى مارجريت.
قال:
ـ العربية التانية نفس الموديل؟
جاء الرد عبر اللاسلكي:
ـ أيوه يا فندم، نفس الشكل تقريبًا.
سأل اللواء:
ـ ورقم اللوحة؟
جاءه الرد بعد لحظات:
ـ مختلف.
تنفست مارجريت براحة وقالت:
ـ يبقى الموضوع مجرد تشابه.
لكن اللواء لم يكن مقتنعًا تمامًا.
طلب من أفراد الدورية التأكد من بيانات السيارة الأخرى، وبعد دقائق وصلهم رد جديد.
السيارة الأخرى كانت حديثة الشراء، وجميع أوراقها سليمة أيضًا.
لم تكن هناك جريمة.
كان الأمر مجرد تشابه بين سيارتين من نفس الموديل واللون.
نظر دانيال إلى مايكل وقال:
ـ يعني كل اللي حصل ده بسبب إن العربيتين شبه بعض؟
ضحكت مارجريت وقالت:
ـ أهو الواحد ساعات بيخاف من الحاجة قبل ما يعرف حقيقتها.
ابتسم اللواء وقال:
ـ المهم إننا عرفنا الحقيقة.
ثم اقترب من مارجريت وسألها:
ـ كنتِ رايحة فين؟
قالت:
ـ رايحة المدرسة القديمة.
استغرب مايكل:
ـ المدرسة؟
أومأت.
ـ آه. النهارده عندهم حفل تكريم لطلاب متفوقين، وأنا وعدتهم أحضر.
نظر إليها الضابطان بدهشة.
قالت:
ـ المدرسة دي قضيت فيها أغلب عمري. حتى بعد ما خرجت على المعاش، لسه بحب أرجع لها وأشوف الطلاب.
سألها دانيال:
ـ يعني لسه بتروحي المدرسة؟
ابتسمت:
ـ المدرسة مش مكان بس يا ابني، دي ذكريات عمر كامل.
ساد الصمت للحظات.
وفهم الضابطان أن السيدة التي ظنا في البداية أنها مجرد امرأة مسنة تقود سيارة فاخرة، كانت تحمل وراءها سنوات طويلة من العمل والعطاء.
وقبل أن تركب سيارتها، اقترب مايكل منها وقال:
ـ ممكن أسألك سؤال؟
قالت:
ـ اتفضل.
ـ العربية دي فعلًا كانت حلمك؟
ابتسمت مارجريت وهي تنظر إليها:
ـ جدًا.
ثم أضافت:
ـ طول عمري كنت بشتري الضروريات وبحوش الباقي. لما خرجت على المعاش، قلت لنفسي: يمكن دي فرصتي أعمل حاجة لنفسي.
سألها:
ـ وندمتي؟
ضحكت وقالت:
ـ ولا يوم.
ثم وضعت يدها على باب السيارة وقالت:
ـ الإنسان طول عمره بيعمل حاجات لغيره. مرة واحدة في حياته، لازم يحقق حلم صغير لنفسه.
ابتسم مايكل وقال:
ـ ربنا يباركلك فيها.
ردت:
ـ وفيكم يا ابني.
ركبت مارجريت سيارتها وانطلقت بهدوء.
وقف الضابطان يتابعانها حتى اختفت في نهاية الطريق.
قال دانيال:
ـ تعرف؟ إحنا فعلًا حكمنا عليها من أول لحظة.
رد مايكل:
ـ أيوه.
ثم ابتسم وقال:
ـ بس هي علمتنا درس من غير ما تزعق ولا تزعل.
مرت دقائق، وعادت الدورية إلى طريقها.
لكن مايكل لم يستطع نسيان كلمات مارجريت.
من ذلك اليوم، كلما رأى شخصًا يقود سيارة فاخرة أو يرتدي ملابس بسيطة، كان يتذكرها.
فقد أدرك أن السيارة لا تحكي قصة صاحبها، وأن العمر لا يحدد قيمة الإنسان، وأن المظهر وحده لا يكفي لمعرفة حياة شخص عاش عشرات السنين قبل أن تلتقي به.
أما مارجريت، فوصلت إلى المدرسة في موعدها.
كان الطلاب ينتظرونها في الفناء.
وما إن وصلت حتى بدأوا بالتصفيق.
نزلت من سيارتها، ونظرت إلى المكان الذي قضت فيه أجمل سنوات عمرها.
ابتسمت وقالت:
ـ أجمل حاجة في الدنيا إن الإنسان يسيب أثر حلو ويفضل الناس فاكرينه.
ثم دخلت إلى المدرسة وسط ترحيب المعلمين والطلاب.
وفي نهاية اليوم، عادت إلى سيارتها، ونظرت إليها للحظات قبل أن تفتح الباب.
لم تكن بالنسبة إليها مجرد سيارة فاخرة.
كانت تذكارًا لسنوات التعب، والصبر، والعمل، والحلم الذي قررت أخيرًا أن تحققه.
أما مايكل ودانيال، فقد خرجا من ذلك الموقف بدرس لم ينسياه:
**لا تحكم على إنسان من عمره، ولا من مظهره، ولا من السيارة التي يقودها. فقد تكون وراء أبسط الوجوه قصة عمر كامل لا تعرف عنها شيئًا.**








