عام
أخر الأخبار

“أسرار سورة يوسف

اسمعوني جيداً يا أصدقائي.. كم من مرة تأملنا طويلاً في تفاصيل قصة نبي الله يوسف عليه السلام في القرآن الكريم، وتوقفنا متعجبين أمام أحد أكبر الألغاز الدرامية والعاطفية في السياق القرآني: “لماذا غابت أم يوسف عن قصته تماماً، ولم يُأتِ لها ذكر في السياق طوال المحن والابتلاءات ولا مرة، إلا في آية التمكين ورفع الأبوين على العرش؟!”.. انتبهوا جيداً، فالرغبة في الغوص في بحار التدبر القرآني وفهم أسرار القصص الإلهي هي غاية إيمانية ومعرفية نبيلة وعميقة، لكن التعامل مع هذه النصوص العظيمة يتطلب منا وعياً بلاغياً رصيناً يفصل بين “الهدف الأساسي للقصص القرآني في الهداية والعبرة” و”التفاصيل التاريخية العابرة التي لا تخدم الغاية الكبرى”.. بلا مبالغة!

لا تقلقوا، فقد وضعت كتب التفسير وعلوم البلاغة النقاط على الحروف، فلنكتشف معاً الحقيقة الكاملة وراء غياب الأم والأسرار البليغة خلف هذا التعبير القرآني المعجز!
أولاً: الحقيقة التاريخية والواقعية لغياب الأم (راحيل)
عندما نغوص في كتب التفسير والتاريخ حول أحداث السيرة النبوية لأسرة يعقوب عليه السلام:
المبكرة: تذكر الروايات والتفاسير المعتبرة أن أم يوسف الحقيقية (المعروفة في التراث بـ “راحيل”)  وهي في نفاسها بعد ولادتها  الأصغر بنيامين، وكان يوسف حينها طفلاً صغيراً لم يبلغ من العمر سن التمييز الكامل.
غياب الشاهد على الأحداث: بما أنها توفيت قبل بدء تفاصيل المحنة الكبرى (إلقاء يوسف في البئر، بيعه، مراودته،

)، فلم تكن موجودة في مسرح الأحداث ليكون لها دور درامي أو سردي في السياق، على عكس النبي يعقوب عليه السلام الذي عاش طوال قصة الفقد والحزن حتى التقى بابنه بعد عقود.
ثانياً: من هي المقصودة بـ “الأبوين” في نهاية القصة؟
في قول الله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100]، يقف المفسرون أمام دلالة لطيفة:
الأب والأم البديلة (أو الخالة): ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بـ “الأبوين” هنا هو: نبي الله يعقوب عليه السلام، والمرأة التي كانت تقوم مقام الأم وتكفله وتربيه (وهي غالباً خالته التي تزوجها يعقوب بعد  أختها راحيل، أو إحدى زوجات يعقوب اللاتي تولين رعايته).

تفسير رؤيا الصغر: أما عن رؤيا يوسف في طفولته (رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر لي ساجدين)، فقد فسّر العلماء “الشمس” بنبي الله يعقوب، و”القمر” بالأم الحقيقية (في المنام الرمزي) أو من قامت  في التربية والرعاية والحنان.
ثالثاً: السر البليغي والتربوي لغياب الأم في القرآن الكريم
لماذا لم يهتم القرآن بذكر تفاصيل  الأم أو ذكرها صراحة طوال الآيات؟

القرآن كتاب هداية لا كتاب تراجم: القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ شخصي أو سيرة ذاتية تستقصي أنساب وأفراد العائلات، بل هو “كتاب عبرة ومنهج رباني”. التركيز بالكامل كان منصباً على محور الصبر، العفة، الابتلاء، حسن الظن بالله، وعاقبة التقوى.
رمزية الأبوة الحانية: سلط السياق الضوء على شخصية الأب (يعقوب عليه السلام) ليكون الرمز الأبرز للتوكل الصادق والحزن الجميل والصبر على البلاء، وهو ما خدم الغاية التربوية العظمى للسورة بشكل أكمل وأعمق.
الإعجاز في اختيار كلمة (أبويه) لا (والديه): من بدائع التعبير القرآني أنه استعمل لفظ “الأبوين” (التي تشمل الأب ومن بصلة التربية والرعاية الشاملة) ولم يقل (والديه)، في إشارة دقيقة ومحكمة استوعبت من حضر لحظة التمكين الكبرى في مصر

ليرفعهم على العرش تكريماً واحتراماً.
كلمة من القلب:
آيات القرآن الكريم مليئة بالأسرار واللطائف البليغَة التي تُدهش العقول وتطمئن القلوب؛ تبرز عبر قصة يوسف أن التدبر الواعي يكشف لنا حِكماً إلهية عظيمة وراء كل تفصيل وصمت في كتاب الله، لتنعم بالهداية واليقين وراحة البال!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى