سلطان في بلاد بعيدة

يحكى عن سلطان في بلاد بعيدة ليس له إلا البنات وكل ما يرزقه الله بولد يعطيه للسياف والسبب في ذلك أن عرافا قرأ طالعه وأخبره أن نهايته ستكون على يد ولد من صلبه ومن ذلك اليوم وهو يعيش في خوف وكلما حملت أحد نسائه أو جواريه حپسها في القصر حتى تلد ونصحه الوزراء أن يتوقف وأن لا يصدق نبوءات العرافين إلا أنه لم يكن ينصت لأحد ولم يرحم أمهات أطفاله أو يتأثر لبكائهن ولهذا سمته الرعية آكل صغاره وكلما خرج في موكب وسط المدينة جرى الناس لإخفاء أولادهم خوفا منه لدرجة أنه لا ير طفلا واحدا في المدينة
وكان هذا الأمر يحزنه ويصيبه بالغم لكنه يفعل أي شيئ ليحافظ على العرش ولن يسمح لأحد أن ينتزعه منه وأصبح طبعه أكثر سوءا مع الأيام ولم يعد يكلم أحدا وضاعف عدد الحرس في قصره ودامت هذه الحال زمنا حتى هربت منه نسائه فتزوج جارية عنده إسمها أميمة وذات يوم ظهر عليها الحمل فحپسها السلطان في غرفتها وفي تمام الشهر التاسع أنجبت ولدا لم يكن في المملكة واحد أجمل منه فبكت ثم مسحت دموعها وقالت له لن أسلمك للسلطان هذا يكفي أشفقت القابلة العجوز عليها وقالت سأحضر لك طفلا ماټ أثناء الولادة لكي يراه أبوه أما إبنك فسيتربى عندي توقفت الجارية عن البكاء وسألتها أحقا تفعلين ذلك من أجلي فأجابتها لا أحد يطيق الظلم ثم أنت ليس لك أهل وهذا الطفل هو أهلك فشكرتها أميمة على معروفها ووعدتها بهدية غالية
ولما جاء السلطان بعد ساعة أخبرته أنها رزقت ولدا لكنه ماټ بين يدي القابلة ولما راه لا يتحرك قال لقد أراحنى الله منه ثم خرج دون أن يكلم إمرأته أو يسأل عن حالها أطلقت أميمة إسم نعمان على الولد وتربى مع أبناء القابلة وكانوا رعاة مواشي فرعى معهم وركب الخيل في البادية وتسلق الصخور وتعلم الصيد والرمي بالنبال فقوي بدنه وإشتد عوده ولما كبر علم أن أباه هو سلطان البلاد وأخذ يلح على أمه برغبته في رؤية أبيه لكنها قصت عليه حكايتها وأنه لو رآه لقټلهما معا وأيضا القابلة التي ساعدتها لكن الفتى قال في نفسه لما يرى أبي فروسيتي سيفرح ويسامح أمي وذات يوم ذهب إلى القصر وطلب مقابلة السلطان وحكى له عن حيلة أمه لإنقاذه وعن مهارته في الصيد وقدرته على الرمي بالسهام
كان السلطان يستمع باهتمام ولما رأى قوة ولده نعمان زاد خوفه منه وأمر الحرس أن يقبضوا عليه مع أمه لكن الولد أفلت منهم وأغلق الباب ولم يقدر الحراس أن يفتحوه وجرى إلى أمه وقال لها لنهرب بسرعة فأبي ينوي الشړ ردت عليه هيا نختفي في أحد العربات التي ستغادر القصر ثم قفزا في إحداها وكانت مليئة بالتبن وفي النهاية إنفتح باب قاعة العرش وجرى الحراس ورائهما وصاح السلطان أقفلوا كل شيئ ولا تدعوا أحدا يغادر القصر لكن العربة في ذلك الوقت وصلت إلى البوابة فأطل أحد الحراس وقال لا يوجد سوى التبن دعوها تخرج ولم يصدق الولد وأمه بالنجاة من ڠضب السلطان إبتعدت العربة عن القصر ثم توقفت في السوق ونزلا دون أن يحس بهما أحد
وهناك اشترى نعمان زادا وقربة ماء ثم غادرا المدينة وإكتريا جملين وقصدا شاطئ البحر وفي نيتهما ركوب سفينة تحملهما بعيدا عن هذه
الديار فلم يعد هنا
أمان بعد أن إكتشف السلطان أمر إبنه ولن يهدأ باله ولما إقتربا
من
الشاطئ ظهر على الفتى وأمه الإعياء الشديد فهما يسيران منذ عشرة أيام ونفذ ما عندهما من مؤونة ومن بعيد تراءى لهما قصر كبير فاتجها إليه وطرقا الباب لكن لم يفتح لهما أحد وبعد قليل إنفتح الباب بمفرده وتعجب الولد حين لم ير أحدا وصاح نحن مسافران نريد طعاما وسندفع ثمن ما نأكل قالت أميمة هذا المكان مهجوروأنا لا أشعر بالراحة هنا أجاب نعمان على الأقل لن يأتي أحد للبحث علينا هنا
ولما دخلا وسط القصر وجدا مائدة عامرة بكل ما لذ وطاب
من الطعام ولا يزال البخار يتصاعد منه فاقترب الولد وهو لا يصدق عينية وأخذ قطعة صغيرة من الدجاج تذوقها بطرف لسانه ثم قال عظيم إنها ساخنة وعليها توابل الهند ثم جلس يأكل بنهم أما أمه فبقيت خائڤة وهي تنظر يمينا وشمالا في الأخير غمست يديها في الطعام وأكلت حتى شبعت ثم صب لها ابنها ماء الورد فشربت ولم تنس أن تخرج صرة من الدنانير وضعتها
على الطاولة وقالت الآن أريد أن أنام وفتحت أول غرفة وجدتها وارتمت على السرير بينما بقي نعمان يتجول في القصر كان كل شيئ مرتبا ونظيفا لكن لا وجود لمخلوق وزاد ذلك في إستغرابه ثم أغلق أبواب القصر وجلس يفكر إلى أن غلبه النوم
بقي نعمان إبن السلطان وأمه يومين في القصر في الصباح يجدون الفطور الخبز والجبن والحليب وفي المساء العشاء من أصناف الطيور المشوية وأنواع الأسماك والفواكه والأشربة قالت الأم لا بد أن صاحب القصر شخص كريم لا يريد أن يظهر لنا وهو لم يأخذ حتى المال الذي تركناه على الطاولة أجاب الفتى هذا يعني أننا لا يمكن أن نبقى هنا طويلا وعلينا أن نغادر قبل
مضت الأيام ولم يظهر أحد لكن خيل لنعمان أن هناك من يسترق النظر إليه وفي أحد الليالي إستيقظ فرأى بنتا تهرب بسرعة وتختفي في الظلام فرك عينيه من شدة الدهشة ثم نهض من فراشه وهمس هل هناك أحد وخرج من وأطل في الرواق الطويل فشعر برعدة في جسده وعاد إلى مكانه وحاول أن ينام فلم يستطع وخيل إليه أن عيونا كثيرة تراقبه وفي الصباح سأل أمه هل تؤمنين بالجن قالت له نعم لكننا لا نراهم ويقال أن لهم في أرجلهم حوافر ماعز لكن لماذا تسأل يا نعمان أجابها بشرود لقد خطړ لي ذلك البارحة يا أمي وفي الليل وضع أمام الباب غصنا صغيرا جافا ثم إنتظر طويلا حتى غلبه النوم
وفجأة إنتبه لصوت تكسر الغصن فأفاق من نومه وعلى ضوء القمر شاهد بنتا صغيرة زرقاء العينين ينزل شعرها الطويل حتى قدميها
ولما أدارت رأسها فوجئت بنعمان أمامها فحاولت لكنه صاح إنتظري عليك أمان الله وسليمان فقالت أعذرني إن أخفتك فأنا إبنة صاحب القصر وإسمي ظريفة رد
الولد وأنا نعمان قالت له
سأذهب الآن وإلا سيغضب أبي إذا سمع أني أخرج بالليل دون علمه أراد أن يسألها عن أهلها لكنها اختفت بسرعة في الصباح لما جلس للأكل
رآها تطل
—
عليه وتبتسم فقال لأمه سأعرفك على أحد ثم ناداها فجاءت ولما شاهدتها أميمة صړخت هل أنت إنس أم جن قال نعمان وهل ذلك مهم الأول يجب أن نشكرها على ضيافتها
قالت الأم أعذريني يا إبنتي فلقد فاجئني قدومك وأنا ممتنة كثيرا لك ولأهلك على كرم ضيافتهم وأرجو أن نبقى عنكم قليلا وأنا مستعدة لكل ما تأمرون به أجابت ظريفة لك ما تريدين يا خالة فهذا يسعدنا كثيرا
وبعد الطعام تجولت مع الولد في القصر وقالت له إن أباها ملك الجن وإنه لم يرزق سواها وهذا القصر كان لفلاح غني وذات يوم أصاب هذه الأرض وباء فماټ جميع الناس وجئنا منذ الباب نظرت إليك من النافذة وأعجبني جمالك وقوتك فجريت إلى أبي الملك والححت عليه
فرح نعمان بصديقته فقد كانت تحبه كثيرا وكانا يسهران كل يوم ويحكى لها أخبار الإنس وقص عليها حكايته
مع أبيه
فتألمت لذلك وفي الصباح جاء الولد لأمه وقال لها ما قام به السلطان في حق إخوتي هو ظلم وعليه أن يسامحك ويفتخر بي أمام الناس لكن الأم قطبت جبينها وقالت يبدو أنك لم تستوعب الدرس المرة الأولى فأبوك همه الوحيد هو العرش ولو علم أننا هنا سيبعث ورائنا جيشه وحينئذ ستخسر هذه الحياة الرائعة وصديقتك الجنية
لكن نعمان أصر على رأيه وقال لا خير في ولد لا يعترف به أبوه وسيفعل ذلك رغم أنفه وأنا أعرف كيف أنزع تلك الوساوس التي زرعها العرافون في عقله ثم كتب له رسالة فيها أبيات من الشعر وغافل أمه وأرسها مع قافلة كانت تمر قريبا من القصر وجاء فيها
قټلت إخوتي دون حق
وخير الرزاق دائم
أنا إبنك ودمك وأنت أبي
وما ينفعك العرش وحفنة من دراهم
لما وصلت الرسالة إلى السلطان أعجبه الشعر وقال في نفسه لقد جمع هذا الولد خصال الشجاعة وفصاحة الكلام ولو علمت به الرعية ستحبه لا بد من حيلة لقټله قبل أن يعظم أمره ثم أرسل إلى عجوز الستوت وأخبرها بنيته في التخلص من نعمان فقالت له تظاهر بأنك رضيت عنه وأطلب منه أن يأتي بالنخلة التي شطر منها تمر والشطر الآخر رمان وسيكون في ذلك هلاكه فيقال أنها تنبت في بلاد االبشر ذوي العين الواحدة وكل ما يوجد هنا عجيب وغريب
فكتب إليه
سأرضى عليك يا نعمان
إذا أتيت بنخلة شطرها تمر
والشطر الآخر رمان
ثمارها لا تنتهي
ولو أكل منها ألف إنسان
وصلت الرسالة إلى إبن السلطان ولما قرأها إبتهج لكن الجنية الصغيرة صمتت ولم تقل شيئا وحين سألها عن سبب صمتها قالت له والله ما رد عليك أبوك إلا ليقودك إلى حتفك قل لي هل تعلك أين توجد تلك النخلة الغريبة أجابها ومن أين لي أن أعرف قالت ظريفة حكت لي جدتي أنه توجد واحة في وسط الصحراء لا تظهر سوى بضع مرات في السنة ثم تختفي عن الأنظار ورآها أحد البدو ولم ينج إلا بشق الأنفس حينما طارده بشړ لهم عين واحدة فسألها كيف يمكن الذهاب إليها أجابته لا يعلم ذلك سوى البدوي الذي رآها وهو
يسكن في مكان ما من
صحراء الجزائر ولا أحد يعرف عنه شيئا
ترجاها أن تساعده فأجابته تلك الصحراء مترامية الأطراف وكل من يدخها يختفي إلى الأبد لكنه ألح عليها حتى وافقت على طلبه وقالت سأسئل ساحرتنا فهي عجوز لا أحد يعرف
عمرها ورأت
في حياتها كثيرا من الغرائب وفي المساء جاءته وهي تبتسم وقالت له لقد أخبرتني الساحرة عن كيفية الوصول هناك والجن عندهم إبل تقطع مسافة شهر في يوم واحد وقد وافق أبي على إعطائك أحدها وتجهيزك بما يلزم للرحلة في الفجر تسلل نعمان وركب جمله وفي خلال يومين وصل لتلك الصحراء وبدأ يسأل الناس عن البدوي الذي رأى الواحة العجيبة وأمضى أياما وهو يدور ويسأل حتى تعب ولفحت وجهه الشمس
أكل نعمان وأعجبه الطعام فلقد مل من أكل التمر والسويق ثم جاء الشاي فأحس الولد بالراحة بعد الأيام التي أمضاها وهو يدور في الصحراء وفكر في حيلة يدخل بها إلى الواحة وفي الأخير قال لما أصل سأتدبر الأمر ولن أرجع إلا بالنخلة وفي الغد نهضا فجرا وكبا جمليهما وسارا ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع ظهرت لهما الواحة من بعيد وكانت فيها الأشجار والمياه وتحلق في سمائها الأطيار ثم توقف البدوي وقال سأرتاح تحت تلك التلة وسأنتظرك حتى ينتصف النهار ثم أرحل هل مازلت مصرا على الذهاب فأومأ له نعمان برأسه ثم همز جمله وسارثم إني أجد أنك جميلة أحست بالزهو وقالت له أحقا تعتقد ذلك ثم خرجت من الماء يوحي متى يأتينا الضيوف يا إبنتي وخرج لإستقباله ودعاه للدخول ثم أمر
بإعداد طعام للضيف وسأله من أي البلاد
أنت وما الذي أتى بك إلى هذا المكان البعيد
فأخبره بقصته فحك الشيخ ذقنه وقال دعنا نأكل الأول ونشرب فلا شك أنك متعب من السفر وبعد أن إستراح نعمان قال الشيخ أعطيك النخلة على شرط أن تهديني شيئا فأخرج له صرة الياقوت فأجابه ما أريده هو إحدى عينيك ترجاه الفتى لكن الشيخ أصر وصاح لن تخرج من هنا قبل أن احصل على ما طلبته ثم أمر بحپسه في أحد الخيام فجاءته الفتاة وقالت له كيف يمكنني أن أساعدك فأجابها اذهبي للتلة ستجدين أحد رفاقي قولي له أن يقترب من
هنا
—
فإذا رآه القوم طاردوه وقبل أن تخرجي إقطعي قيودي والياقوت هو هدية إليك
القصر ومشى قليلا حتى وجد مكانا أعجبه زرع فيه النخلة وسقاها وسمدها وفي الصباح تعجب لما وجد أنها قد كبرت
وفي اليوم الثاني ظهرت العراجين والأغصان وفي الثالث امتلأت بالتمر والرمان وجاء الناس فأكلوا ورموا النوى فنبتت بعد أيام أشجار صغيرة وقيل له أن تلك الأرض مدفون فيها ولي صالح ونمو الأشجار بتلك السرعة هو من كراماته لما سمع
السلطان بما حصل نادى عجوزة الستوت وقال لها ما أغبى نصيحتك كنا ننتظر مۏته فنجا وبدل أن يكون له نخلة صار له بستان وهو الآن يطعم الفقير ويكسي المحتاج وقد إلتف حوله الناس من البسطاء أريدك أن تجدي حلا لقټله قبل أن يعظم أمره ففكرت وقالت الحل يا مولاي أن نرسل إليه من ېحرق القصر والبستان فإذا فعلنا ذلك ضعف شأنه وانفض الناس من حوله قال
السلطان لكن سيشك الجميع في أني من دبر المکيدة أجابت ليس إذا اعترف أحدهم بأنه قام بذلك لأن الأمير يأوي السحرة والمشعوذين في القصر وأن تلك النخلة العجيبة هي من أعمال السحر وهكذا نضرب عصفورين بحجر واحد نقضي على قوته
في الليل قسم رئيس الحرس رحاله إلى فرقتين واحدة تقترب من القصر وتختفي وراء الأشجار والأخرى تذهب إلى البستان والخطة كان إضرام الڼار في النخيل ولما ينتبه أهل الأمر بسرعة ودون ترك أي أثر ولهم نصف ساعة فقط وهو سينتظرهم مع الخيل لكنهم ما كادوا يبتعدون قليلا حتى برز لهم رجال بيض بعيون زرقاء وعليهم ورموا وصاح أحدهم اللعڼة لقد كانوا في انتظارنا كيف علموا بالأمر من المؤكد أن هناك من ينقل لهم أخبار السلطان
جمعهم نعمان وقال ألا تعلمون أني أطعم الفقراء من البستان وفي القصر جناح للأيتام أرعاهم أنا
وسيدتكم أميمة تبا لكم ولما كنتم ستفعلونه فجثا الجنود
على الأرض وقالوا والله لم نكن نعلم شيئا وقيل لنا أنك تتآمر على السلطان فجئنا لحماية مولانا فنحن عبيده ونأكل من خيره فكر نعمان لحظة وقال لهم ما رأيكم أن تكونون في خدمتي سأعطي كل واحد منكم بيتا وأزوجه والمال هنا كثير نظروا لبعضهم وقالوا نحن موافقون أجاب حسنا والآن هيا إلى القصر لما دخلوا وجدوا الموائد منصوبة وعليها أصناف الطعام والشراب فغسلوا أيديهم وأكلوا حتى شبعوا وجاءت أميمة فانحنوا أمامها وقالوا سيوفنا في خدمة مولاتي فردت عليهم يدي ممدودة إلى السلطان لكنكم تعلمون تعنته لذلك هو لا يتركنا في حالنا فوالله لا نريد جاها ولا سلطانا ونريد منكم
مساعدتنا في
إعمار
هذه الأرض التي ماټ أهلها في وباء منذ قرن وهناك كثير من القرى الفارغة وفي الصباح ليختر كل واحد منكم بيتا وسنساعده على تأثيثه ثم صفقت بيديها فجاء رجال من الجن وأعطوا كل واحد منهم صرة مال وقالت والآن هيا إلى النوم فلا شك أنكم تحسون بالتعب الآن
وفي الليل كانت الجنية الصغيرة تسمع ما يقولون وفي النهاية إبتسمت وجرت إلى نعمان لتخبره بما سمعت أما قائد الحرس فلما رأى رجاله يقعون في الأسر جرى بحصانه طول الليلوفي الصباح أخبره بما حدث فاغتم السلطان وتعكر مزاجه فهذا يعني أن لا أحد بإمكانه إيقاف نعمان بعدما إنضم له عشرون من خيرة فرسانه ولم يعد يثق في أحد فمن أعلم نعمان لا شك أن هناك خائڼ في القصر والآن لم تعد تنفع المكائد ولم تبق سوى القوة ففتح الخزائن واشترى وانتدب الرجال وملا القصر والبلاد وهؤلاء يشتغلون في الزراعة والرعي وأنه يدفع لهم أجرة جيدة ولم يكن ينقص
نعمان المال وصارت له قوافل وسفن وتجارة مع البلدان البعيدة
وكان ذلك يزيد في خوف السلطان الذي زاد في الضرائب وبنى القلاع حتى عزل كل الإقليم الشمالي الذي به نعمان وأصبح الدخول
والخروج يتم بمشقة شديدة وإعتقد الرجل أنه حل المشكلة لكن جفافا شديدا ضړب البلاد وجفت المراعي التي كان فيها البدو يرعون فيها إبلهم وماشيتهم ولم يعد لديهم ما يأكلونه فارسلوا وفدل إلى السلطان يطلبون فيه المساعدة لكن الخزائن كانت فارغة وكل المال ينفقه على القلاع والجيش فبدأ البدو يهاجمون القرى القريبة منهم وينهبون كل ما يجدونه ولما أعلمه الوزير بما يحصل إبتسم السلطان وقال هل نسيت أن تلك القرى الغنية رفضت مساعدتي لتحصين مملكتي وقال لي أشرافها أن ما تفعله سينشر الفقر والجوع وفي النهاية أنت من ستقضي على نفسك وليس إبنك نعمان وأنا لم أغفر لهم ذلك الكلام و الله لولا أني مشغول بذلك الولد اللعېن لعرفت كيف أعلمهم الأدب
وإن هزمهم تخلصت من البدو حك السلطان ذقنه وقال ولكن كيف
سنقنعه بذلك وهو يعلم أني أحقد عليهوحكى له عن
ما
يشغل باله
في أحد الأيام جاء رجل بحمار عليه زنبيلين أحدهما مملوء بالحلوى والآخر فارغ واقترب من القصر ثم أخذ يصيح أنا حلواني أصنع أطيب الحلقوم بالفستق وماء الورد وكعك اللوز تعالوا تذوقوا فتجمع الناس حوله وبدأوا يشترون وهم يشكرون بضاعته وكانت الجنية الصغيرة تطل من النافذة واشتهت أن تأكل من تلك الحلوى الذيذة
المتعددة الألوان فترددت قليلا ثم نزلت تجري و فتحت الباب لما رآها الحلواني
قال لها تعالي يا بنية ووخذي ما تشائين من ذلك الزنبيل لكن حين نظرت البنت وجدته فارغا وقبل أن تتكلم دفعها الرجل في ظهرها فوجدت نفسها مكومة داخله ثم رمى عليها غطاء شده بإحكام وهمز الحمار الذي سار بسرعة رجع نعمان من البستان فتعجب من وجود الباب مفتوحا وسأل أمه يبدو أن أحدا ما قد خرج وهذا شديد الغرابة يعيشون تحت القصر والأيتام الذين نرعاهم صغار وعليهم من يحرسهم لكني سأسئل ظريفة فهي الوحيدة التي يمكنها الصعود إلى القصر واللعب فيه لأنها إبنة المل
إلتفت نعمان حوله وناداها لكن لم يجبه أحد فبحث في كل القصر وبدأ يتحير فهي لا توجد في أي مكان ثم ذهب إلى أبيها وسأله لكن لم يرها طول النهار وخرج
الجن وعادوا بعد قليل
وقالوا
لقد كان هناك بائع حلوى قرب باب القصر ولقد رحل بسرعة
ضړب نعمان كفا بكف وقال لا داعي أن تبحثوا عنها فلقد خطڤها أحدهم وأعرف من قام بذلك ظهرت الدموع في عيني ملك الجن وقال لنعمان سأعطيك ما تريد أحضر لي فقط إبنتي أرجوك ثم بدأ يبكي قال الفتى إهدأ فالسلطان يفعل كل شيئ لأجل العرش وهو يخشى اتفاقنا ضده والله يعلم أني لم أفكر في ذلك رغم تأييد الأمراء لأتولى الحكم فلقد أصبح أبي يشك في كل من حوله وېخاف حتى من ظله
لكن إسمع سأخبرك عن سر هناك جاسوس في القصر وسأكتب إليه لكي ينقذ ظريفة ويخفيها في مكان آمن ظهرت الراحة على ملك الجن وسأله هل تثق في ذلك الشخص أجابه نعمان كل الثقة
وضع الملك البنت في حجرة صغيرة داخل برج مرتفع لكي لا تقدر على وكان هناك خادم أكبر منها ببعض السنوات يأتيها بطعامها كل يوم ولاحظت أنه لطيف جدا معها ودائما يحضر لها في جيبه الحلوى التي تحبها وفي أحد الأيام قال لها سآتي في الليل لإخراجك فاليوم يقيم الملك حفلة ويكون الجميع منهمكين في الأكل والشرب وأنت تلبسين ثياب الجواري وأنقلك لمكان في القصر لا يعرفه سواي
سألته لماذا تريد إنقاذي رد عليها لقد طلب مني نعمان ذلك هل استرحت فرحت الجنية الصغيرة وشعرت بالاطمئنان وفي الموعد المحدد جاء الولد ثم أطل من الشباك ورمى حبلا فقالت له ويحك لا أستطيع النزول من هناك ضحك الخادم وقال هذا لكي نخدع القوم والآن ضعي هذه الملابس وسأنتظرك أمام الباب وحين خرجت لم يكن أحد يميزها عن جواري السلطان كان الحارس نائما فجريا حتى وصلا البهو وهناك اندسا وسط المدعويين وبعد قليل نزلا درجا يقود إلى أسفل القصر وكانا يسمعان من فوق صوت القيان وهن يغنين ثم وقف الخادم وفتح بابا لا يكاد يظهر وقال لها أدخلي الآن فهذه التي أعيش فيها
ثم أشعل مصباحا فرأت ظريفة مكانا أنيقا مفروشا بالزرابي فسألته بدهشة من أين لك المال لتشتري هذا الأثاث الغالي إبتسم ثم قال ستعرفين كل شيئ في أوانه هذا القبو قديم جدا وكان يختفي فيه الملوك عند وقوع ثورات ويدخله الهواء وفيه بئر ماء ومنذ زمن طويل لم يعد أحد يأتي إلى هنا بعدما فتحوا سردابا يقود إلى خارج المدينة كوني مطمئنة فلا أحد
يعرف دهاليز القصر وأسراره أكثر مني
في الصباح جاء الخادم
للسلطان وقال له لقد هربت ظريفة ويبدو ان أحدا قد ساعدها فجن الرجل وجرى
إلى البرج فرأى الحبل يتدلى من النافذة فأمر رجاله بإغلاق المدينة وتفتيش البيوت وكان السلطان غاضبا وجمع كل من في القصر ليسألهم وهدد بتعذيبهم إن لم يتكلموا ولما جاء دور الخادم واسمه حسن قال له لقد جاع الناس بسبب نبوءة أفسدت تدبيرك وصنعت بسببها عدوا واليوم سيتحقق ما كنت تخشاه يا مولاي كان السلطان يستمع بدهشة وهو يتميز غيضا ثم صاح أنت إذا هو الخائڼ الذي ينقل أخباري ثم ضحك وقال أخبرنا إذا أيها الأحمق كيف ستتحقق النبوءة ونعمان بعيد عني ودونه الوديان والجبال
لكن الوزير
قال هل
وقالت كل هذه الفترة إعتقدت أنك قد مت ولما سمعت الخبر لم أصدق نفسى حتى رأيتك فقص عليها حكايته وكيف أشفقت القابلة عليه ثم قالت له لقد أخطئت بإبقاء أخيك هنا ومنحته قيادة الجيش ولا تنس أن أبوه إعترف ببنوته له وأعطاه ولاية العهد وسيأتي اليوم الذي يطالب فيه بحقه وأنت لا تقدر عليه فمعه الجن والبدو وأهل الشمال وأمواله لا حصر لها
والرأي أن تخلص منه ما دام بين يديك فكر قليلا ثم أجابها ويحك
ما الفرق بينك وبين أبي لا تفكرون إلا في العرش ونسيتم أننا بشړ نريد أن نحيا كغيرنا وأنا لا أعادي أخي من أجل الحكم والله لو أراده لمنحته له ورجعت لدهليزي الذي عشت فيه أرجوك أمي لقد ماټ أبي فلا أريد أن
أكون مثله وهناك أحد جواري القصر إسمها سارة أريد أن أتزوجها فأجابته إنتظر حتى أختار لك أحد
النهاية




