ذهبت معه

ذهبت معه إلى الشقة وطلب منها أن تختلي به بعيداً عن أعين الناس.. نظرت إلى وجهه فرأته يشع نوراً كالبدر ولحيته السوداء التي تزين وجهه.. فوجهه ليس الوجه الذي يميل إلى السوء أو ارتكاب المعاصي.. تراودها أسئلة كثيرة داخل عقلها.. لماذا يوجد شخص بهذة الهيئة ويطلب مثل هذا الطلب؟!
لمحت خاتم الزواج في يده.. فسألته بفضول.. هل أنت متزوج؟! فأجابها.. نعم.. ازدادت حيرتها.. ولكن لعله لا يحب زوجته.. قرأ ذلك في عينيها فأجابها قائلاً.. بل أحب زوجتي حباً شديداً.. فقالت له متعجبة.. أتحب زوجتك وتريد ؟! فابتسم قائلاً.. وما يهمك في ذلك.. أنت أتيت لهدف معين وقد نلت ما تريدين وأكثر.. أسئلة كثيرة في داخلها ولكن أجابت عنها بأنها ما شأنها.. أنه رجل يريد أن يقضي وقتاً وينصرف وقد دفع المقابل.. فنظرت إليه قائلة.. هيا بنا إلى شقتي.. فابتسم مرة أخرى قائلا.. لا من فضلك.. هيا إلى شقتي أنا.. فأجابته قائلة.. مثلما تريد..
ثم أخرج تليفونه المحمول من جيبه واتصل بسيدة ثم قال لها: من فضلك غادري الشقة الآن.. فأنا سآتي خلال نصف ساعة ومعي فتاة. ثم سألها عن اسمها.. فقالت.. ريهام.. فقال: إنها ريهام.. شكراً لك يا زوجتي العزيزة.. أحمر وجه ريهام عندما سمعته يقول “يا زوجتي العزيزة”.. فقالت له.. هل كنت تحادث زوجتك؟! قال.. نعم.. فقالت له متعجبة.. وتطلب منها أن تترك المنزل حتى تأتي بي إليه؟! فقال.. نعم.. قالت.. كيف هذا؟! وهل زوجتك تعلم بكل هذا وتوافق؟! فأجابها.. لا يعنيك هذا الأمر.. هيا بنا..
ثم ذهبت معه إلى الشقة وطوال الطريق تنتابها هواجس كثيرة.. فهي لا تصدق ما يحدث، ومن هذا الشخص، ومن أين أتى، وماذا يريد؟! فشكله يبعث على السكينة وليس شكل من يسعون وراء المعاصي.. وكل لحظة تمر تزداد حيرتها. وأثناء سيرهما بالسيارة إلى المنزل قام بتشغيل تلاوة لسورة النور بصوت الشيخ ماهر المعيقلي.. نظرت إليه في دهشة عجيبة، وخرج سؤال من لسانها بدون تفكير: ما هذا؟!
قال لها: أحب دائماً الاستماع إلى القرآن الكريم وخاصة بصوت الشيخ ماهر المعيقلي.. قالت له: وهل هذا مجال للاستماع إلى القرآن الكريم ونحن في طريقنا لارتكاب المعصية؟! ثم سمعت القارئ يتلو قول الله تعالى: (والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة).. تعجبت أكثر فأكثر.. وقالت له: من أنت وماذا تريد؟! فكرت أن تهرب، لكنها شعرت وكأن شيئاً ما قد سلبها تلك العزيمة والإرادة فلم تستطع أن تعود أو ترجع عن المضي مع هذا الرجل.. كانت مجرد فكرة داخل عقلها لا تستطيع تحقيقها على أرض الواقع، وكأنها تساق لا إرادياً في طريق لا يعلم نهايته إلا الله.
وعند خروجها من السيارة إلى مبنى جميل يشبه مسجداً من الخارج، قالت له بصوت يكاد لا يسمع من شدة الخوف: أهذا منزلك؟! فابتسم كعادته وقال: نعم.. قالت: إنه جميل ولكنه يشبه المسجد! قال لها: إنه مصمم على الطراز الإسلامي.
اقتربا من الباب ثم قام بفتحه وقال لها: تفضلي.. دخلت ريهام وقلبها يكاد يتوقف من القلق والخوف، وتشعر أن قدماها يتحركان دون أمر منها.. أخذت تنظر إلى أركان المنزل.. رائحة طيبة جداً في المكان لم تشمها من قبل ودون آثار بخور.. الأثاث بسيط، وآيات من القرآن الكريم تكسو الحوائط، والمنزل مضيء كنور النهار دون وجود لمبة واحدة!
سألته متعجبة: كأننا في النهار تماماً، لم أركب أو أرى ذلك من قبل.. أين مصدر الإضاءة؟! فتبسم كالعادة وقال: إنه نور القلب حين يبحث عن الحقيقة.. لم تفهم ريهام معنى تلك الكلمات ولم تسأل عن تفسيرها، وكل ما يشغلها الآن أن تنهي ما جاءت لأجله ثم تغادر المكان فوراً. تفقدت المكان ثم قالت: أين الغرفة؟ قال لها: لما أنت متعجلة، انتظري قليلاً.. قالت: ولما الانتظار، دعنا ننهي الأمر فأنا مشغولة.. قال لها: نشرب شيئاً أولاً، ماذا تحبين أن تشربي؟ قالت بدلال: .. فابتسم قائلاً: نشرب لبناً أفضل.. وقبل أن تتفوه بكلمة، وجدت كوب اللبن أمامها جاهزاً.. تعجبت من سرعة إحضاره!
قالت له متوسلة: استحلفك بالله من أنت؟! أنت لست كمن يطلبون هذه ، ووجهك ليس وجه شخص عاص، والمكان أيضاً ليس بالمكان الذي ترتكب فيه الفواحش.. أشعر بشيء غريب.. إحساس لا أستطيع وصفه.. من أنت أجبني وماذا تريد؟!
ابتسم كالعادة وقال لها: سلمي على ضيفتيك أولاً.. نظرت إلى حيث أشار فأخذتها الصاعقة من هول ما رأت! بعد أن نظرت ريهام إلى حيث أشار هذا الرجل، وجدت امرأتين تشبهانها تماماً.. إحداهما وجهها شاحب جسدها هزيل لا تستطيع الوقوف من شدة المرض، وتسمعها تتألم وتقول: يا رب أغيثني بالموت فلم أعد أتحمل الألم.. أما الأخرى فتراها محجبة مبتسمة ونور التقوى يشع من وجهها..
قال لها الرجل: رحبي بضيفويكِ.. قالت في تعجب شديد: من هاتان؟! إنهما تشبهاني تماماً! فابتسم كالعادة وقال: بل إنهم أنتِ بالفعل.. تعجبت قائلة: إنهما أنا! كيف هذا؟!
فقال لها مشيراً إلى الهزيلة المريضة: الأولى أنتِ بعد عام من الآن، وقد أهلكتك طريق المعاصي والبعد عن الله حتى بلغ منك المرض كل مأخذ.. أما الأخرى فأنتِ بعد ساعة من الآن، في روح وريحان وجنة نعيم إن تبنتي ورجعتِ إلى الله.. فأي الأقدار تختارين؟!
قالت باكية: يا الله.. وهل لي أن أختار قَدري؟! أخبرني من فضلك.. فتلا عليها قول الرحمن: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً)..
قالت بحرقة: يا ويلي من سوء الخاتمة.. فأعاد عليها نفس السؤال: فأي الأقدار تختارين؟ قالت: لو لي حق الاختيار.. أختار أن أكون من الأطهار..
فقال لها: التجئي لرب السماء واستغفريه من كل ذنب وادعيه خوفاً وطمعاً، فإن الأقدار بيد الله، والتوبة الصادقة تدفع البلاء..
قالت: أخبرني بالله عليك من أنت؟!
قال لها: دعوة دعت بها لك امرأة صالحة قد أحسنتِ إليها يوماً، فقالت: “اللهم اهدِ ريهام وردها إليك ردا جميلاً وأحسن خاتمتها”، وقد استجاب الله لها وبعثني إليك لأرشدك إلى الطريق المستقيم.
قالت بحمد وخشوع: الحمد لله رب العالمين..
وفجأة استيقظت ريهام.. فقد كان هذا حلماً أيقظها في اللحظة المناسبة قبل فوات الأوان.. تناولت كوباً من الماء وأخذت تردد الشهادة عدة مرات، وأسرعت لتغتسل وتقوم ليلها تناجي ربها وتستغفره بدموع الندم والتوبة.
ومنذ تلك الليلة، لم تقترف ريهام ذنباً وصار وجهها يلمع بنور الطاعة، وتابت توبة نصوحاً.. نسأل الله أن يتقبل توبتها.
قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم).
وقال تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون).
صدق الله العظيم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




