عام
أخر الأخبار

منذ خمسة عشر عاماً

السر اللي كشفته علامة صغيرة على إيد نسمة.. والحقيقة اللي اتخبّت لمدة 15 سنة!

العلامة اللي رسمتها أمي على بطن إيدي ما كانتش مجرد شخبطة بقلم رصاص عادي، دي كانت الوحمة الخاصة جدًا اللي موجودة في كتف أبويا الشمال! وحمة شكلها غريب، شبه النجمة المتآكلة، محدش في الدنيا يعرف شكلها ولا تفاصيلها الدقيقة غير أمي.. وأنا!

أنا اللي كنت بشوفها وأنا صغيرة لما أبويا يلبس نص كم في الحر. أمي رسمتها بالملي، وحطت وسطها نقطة غامقة، ورسمت فوقيها خط عريض زي السهم بيشاور على كف إيدي.

بصتلي في عيني بنظرة مليانة جدية، وقالت بصوت واطي جدًا:

«أبوكي مش هو أبوكي يا نسمة.. الراجل اللي عايش معاكم في البيت ده، وعامل فيها الحنين، ما عندهوش الوحمة دي في كتفه! الراجل ده شخص تاني.. ومحدش صدقني لما قلت إنه دخل الأوضة على أختك، عشان أنا الوحيدة اللي عارفة إن اللي جوه البيت ده شخص غريب سرق حياة أبوكم!»

صرخت.. صرخت بصوت هز جدران المستشفى الهادية. الدموع نزلت من عيني بغزارة، والدكاترة والممرضين جم يجروا على الصوت، وافتكروا إن أمي تعبت فجأة. مسكوني وأنا بجري لورا، ببعد عنها وأنا جسمي كله بيرتعش من الخوف.

أمي كانت واقفة مكانها، ثابتة، بتطالعني بنظرة شفقة وحزن، من غير ما تتحرك خطوة واحدة.

خرجت من المستشفى وأنا مش شايفة قدامي. الشارع كان بيلف بيا، والأفكار بتدور في دماغي من غير توقف.

معقولة؟ معقولة الكلام ده؟ أمي مش بتتخيل؟ أمي عايشة بقالها 15 سنة بين أربع حيطان عشان حقيقة محدش قدر يستوعبها؟!

طول الطريق للبيت وأنا بحاول أفتكر.. بحاول أراجع شريط حياتي كله من وأنا طفلة عندها 12 سنة.

افتكرت الليلة دي بالذات.. الليلة اللي الدنيا اتقلبت فيها. أبويا فعلًا كان في الأوضة، بس هل أنا شفت كتفه؟ هل شفت جسمه؟

الراجل ده طوال السنين اللي فاتت كان دايمًا يلبس قمصان بأكمام طويلة، حتى في أحر أيام الصيف! كنا بنقول عليه راجل راقي وبيحب يلبس بشكل مرتب ومحترم، لكن هل كان بيداري حاجة؟

حتى العادات الصغيرة اللي بتتنسي مع الزمن، بدأت تطفو على سطح ذاكرتي واحدة ورا التانية.

افتكرت إن أبويا قبل الليلة دي كان دايمًا بيشرب الشاي بسكر زيادة، وبيكتب بإيده الشمال، وبيضحك بصوت عالي يرن في الصالة.

لكن الراجل اللي عاش معانا الـ15 سنة اللي فاتوا كان بيشرب الشاي من غير سكر، وبيمسك المعلقة بإيده اليمين، وضحكته هادية ومش بتطلع إلا بالعافية!

إزاي أنا ومايا والعيلة كلها ماخدناش بالنا من التغييرات دي؟ إزاي اعتبرناها نتيجة الصدمة اللي مرت بيها أمي، وصدقنا التفسير اللي اتقال لنا بعد الأزمة؟!

وصلت البيت، وكانت الساعة قربت على المغرب. فتحت الباب بإيد بترتعش.

كان البيت هادي، وريحة الأكل اللي أبويا بيحضره مالية المكان. أبويا خرج من المطبخ، لابس مريلة الأكل، وابتسم ابتسامته الحنونة المعتادة اللي كانت بالنسبة لي مصدر الأمان في الدنيا.

أبويا: نسمة؟ حبيبتي رجعتي؟ عملتي إيه مع أمك؟ كلمتيها؟ طمنيني يا بنتي، شكل عيونك بيقول إنك عيطتي كتير.

أنا وقفت في مكاني، رجليا مش شيلاني. بصيت على كتفه الشمال.. كان لابس قميص بيتي خفيف، بس كمه طويل لحد المعصم.

بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت مخنوق:

نسمة: الزيارة كانت صعبة يا بابا.. أمي لسه تعبانة.

قرب مني أكتر، وحط إيده على كتفي علشان يهديني.

أبويا: معلش يا حبيبتي، ربنا يشفيها. أنا قلتلك بلاش تروحي علشان ما تتعبش أعصابك قبل فرحك.

في اللحظة دي، وأنا حاسة بقلق شديد، قررت إني لازم أتأكد. لازم أعرف هل أمي مظلومة، ولا هي فعلًا تعبت وتخيلت موضوع الوحمة.

قلتله وأنا بحاول أبتسم:

نسمة: بابا.. الدنيا حر أوي النهارده، إنت ليه دايمًا لابس طويل كده في البيت؟ ما ترفع أكمامك شوية.

أبويا ثبت في مكانه، ولثانية واحدة بس، شفت في عيونه نظرة غريبة وحادة عمري ما شفتها طوال الـ15 سنة!

النظرة اختفت بسرعة، وحل محلها الهدوء المعتاد.

أبويا: أصل جسمي بيتأثر بالتكييف بسرعة يا بنتي.. إنتِ عارفة إني بقيت أتعب من أقل حاجة مع السن.

النظرة دي كانت كفاية إنها تزرع الشك في قلبي.

حاولت أتصرف بطبيعية علشان ما يحسش بأي تغيير. قعدت معاه على الترابيزة، وأنا حاسة إن الأكل صعب عليّ من شدة التوتر.

كان بيطالعني بتركيز غريب، وكأنه بيحاول يعرف اللي بيدور في دماغي، وأنا كنت بتهرب من نظراته وبدعي إن مايا ترجع بسرعة من كليتها، علشان وجودها يقلل التوتر اللي مالي البيت.

لما مايا رجعت، كان الليل جه خلاص. اتعشينا في جو مليان سكوت. أبويا دخل أوضته ونام.

البيت بقى هادي جدًا. تسحبت بالراحة، ومشيت في الممر لحد باب أوضة أبويا. الباب كان موارب حاجة بسيطة.

بصيت من الفتحة الصغيرة.. كان نايم على السرير، والنور الخافت من الأباجورة منور جنبه.

قلبي كان بيدق بسرعة، لكن كان لازم أعرف الحقيقة.

تسحبت بالراحة، وقربت من السرير خطوة بخطوة، ونفسي مكتوم.

مديت إيدي المرتعشة ناحية كتفه الشمال، ومسكت طرف الكم بالراحة، وبدأت أرفعه فوق.. سنتيمتر ورا سنتيمتر.

صدري كان بيعلو ويهبط من شدة التوتر، لحد ما وصلت للكتف.

وبصيت…

المكان كان أملس تمامًا! مفيش أي وحمة! مفيش نجمة، ولا أي أثر للعلامة اللي أعرفها كويس!

جسمي اتجمد. الدنيا دارت بيا، وكنت هصرخ، لكن قبل ما يخرج أي صوت من بقي، حسيت بإيد قوية بتمنعني من الحركة، وسمعت صوت همس جنبي بنبرة غريبة:

الرجل: كنت خايف إن اليوم ده ييجي يا نسمة.. بس إنتِ اللي قررتي تعرفي الحقيقة بنفسك.

حاولت أتحرك وأبعد عنه، ولما لفيت راسي، لقيت الراجل اللي عشت معاه 15 سنة وأنا فاكراه أبويا الحنين، باصصلي بنظرة مختلفة تمامًا عن كل اللي عرفته عنه.

نسمة: إنت.. إنت مين؟!

ابتسم ابتسامة غريبة، وبعدها قفل الباب بالمفتاح علشان مايا ما تسمعش حاجة.

وقرب مني وقال بصوت واطي ومخيف:

الرجل: أنا اللي ربيتكم! أنا اللي اهتميت بيكم بعد ما أبوكي الحقيقي مات، ومحدش كان يعرف الحقيقة!

الكلمة نزلت عليّ زي المفاجأة الكبيرة.

نسمة: أبويا الحقيقي مات؟!

قال وهو بيتكلم بنبرة مليانة مرارة:

الرجل: أبوكي المرحوم كان أخويا التوأم.. التوأم اللي كان دايمًا ملتزم ومحترم، واللي أخد البيت والعيلة والحياة اللي كنت بتمناها. مديحة كانت اختارته هو، وأنا فضلت بعيد عن العيلة سنين طويلة.

كمل وهو بيمشي في الأوضة:

الرجل: من 15 سنة، رجعت هنا في نص الليل من غير ما حد يحس. كان بيني وبين أخويا خلافات قديمة. حصل بينا نقاش كبير، وبعدها فقد حياته في ظروف ماكانش حد يعرف تفاصيلها.

أنا ماكانش قدامي غير إني أحل محله! إحنا توأم متطابق، محدش يقدر يفرق بينا في الشكل أو الصوت. نقلت جثمانه بالليل ودفنته في المزرعة المهجورة اللي كانت ملكنا زمان، ورجعت البيت وكأني بقيت صاحب الحياة كلها!

دموعي كانت بتنزل بغزارة، والذهول شال تفكيري تمامًا.. الراجل ده عاش معانا 15 سنة وهو بيمثل دور الأب المثالي!

كمل وقال:

الرجل: أول ليلة ليا في البيت، دخلت الأوضة علشان أرتب بعض الأوراق القديمة، مديحة صحيت وفتحت النور. في الأول ماعرفتش تفرق بيني وبين أخويا، لكن لما قربت مني ومسكت كتفي الشمال، اكتشفت إن الوحمة مش موجودة!

عرفت إني مش جوزها، وإن فيه حاجة كبيرة بتحصل. حاولت أوقفها عن الكلام، لكنها بدأت تصرخ وتطلب المساعدة.

ماكانش قدامي غير إني أقنع الناس إنها تعبت وإنها بتتخيل حاجات مش حقيقية. ومع الوقت، الكل صدق روايتي، واتنقلت لمستشفى للعلاج، وبقيت أنا الشخص اللي الناس شايفاه الأب الهادئ والزوج الحزين.

نسمة بصدمة: يا نهار أبيض! أمي عاشت 15 سنة مظلومة بسببك؟! حرمتنا منها وخلتنا نصدق إنها مش قادرة تميز الحقيقة من الخيال!

حاولت أقوم وأوصل للباب، لكنه منعني من الحركة، فوقعت على الأرض واتخبطت في طرف الكومودينو.

حسيت بدوخة شديدة، وحاولت أستعيد توازني.

الرجل بص لي وقال:

الرجل: للأسف يا نسمة.. كان نفسي أحضر فرحك وأسلمك لعريسك زي أي أب، لكن إنتِ وصلتي لحقيقة كنت بحاول أخبيها طول السنين دي!

حاولت أنده على مايا، وكنت بدعي ربنا إنها تسمعني وتدخل في أي لحظة.

وفجأة!

الباب اتفتح بصوت قوي، وسمعت صوت مايا وهي بتقول:

مايا: سيبها يا حيوان!

فتحت عيني بسرعة، ولقيت مايا واقفة عند الباب، وشها شاحب من الصدمة، وماسكة فازة ورد رخام تقيلة.

كانت سمعت جزءًا كبيرًا من الكلام، ولما شافتني في الحالة دي، تدخلت بسرعة وأبعدته عني بالفازة، فاختل توازنه ووقع على الأرض فاقدًا للوعي.

مايا كانت بترتعش وبتعيط وهي شايفاني تعبانة ومش قادرة أقف.

جرت عليّ وحضنتني وهي بتقول:

مايا: نسمة! نسمة، إنتِ كويسة؟ إيه الكلام الغريب اللي الراجل ده كان بيقوله؟! أنا سمعت حاجات كتير من ورا الباب! بابا فين؟ وأمي فين؟!

مسكت إيدها بقوة وقلت لها وأنا بحاول أقوم:

نسمة: أمي مش بتتخيل يا مايا.. أمي كانت بتحاول تحمينا طول السنين دي! أمي مظلومة! اتصلي بالشرطة بسرعة.. اتصلي بعصام خطيبك وبالشرطة، الكابوس ده لازم ينتهي النهارده قبل ما يفوق!

اتصلنا بالشرطة، وخلال ساعات قليلة، كانت الشقة مليانة برجال الأمن والمتخصصين في التحقيق.

ولما الراجل فاق، اتاخد للتحقيق، ومع مواجهته بالأدلة، ونتائج اختبارات الحمض النووي، اللي أكدت إنه مش أبويا البيولوجي، وإنه أخويا التوأم، انهار واعترف بالحقيقة.

راحت القوات للمزرعة المهجورة، وهناك اكتشفوا مكان دفن أبويا الحقيقي، واتكشفت تفاصيل الحكاية اللي دمرت عيلتنا لمدة 15 سنة، وحرمت أمي من حريتها ووجودها وسطنا.

القضية انتشرت أخبارها، وكل الناس اللي اتهموا أمي زمان إنها بتتخيل، وبصوا لنا بنظرات الشفقة، بقوا حاسين بالخجل بعدما ظهرت الحقيقة.

بعد أسبوع واحد

كنت واقفة قدام باب المستشفى اللي كانت أمي موجودة فيه، لكن المرة دي ما كنتش لوحدي.

كنت أنا ومايا، وعصام خطيبي اللي وقف جنبي، ومعانا ممثل قانوني جاب قرارًا رسميًا بإنهاء احتجاز أمي، ورد اعتبارها بعد ظهور الحقيقة.

الباب اتفتح.. وأمي خرجت.

كانت لابسة فستان أبيض هادي جابتهولها مايا، وشعرها الأبيض بيتحرك مع الهوا.

أول ما شافتني أنا ومايا، ما صرختش ولا عيطت بشكل مبالغ فيه.. ابتسمت نفس الابتسامة الهادية الصافية بتاعة زمان، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي وعارفة إن الحقيقة لازم تظهر في يوم من الأيام.

جرت مايا عليها وارتمت في حضنها، وهي بتعيط وبتطلب منها تسامحها، وباست إيديها.

وأنا قربت منها، مسكت إيدها اليمين، وبست بطن إيدها.. المكان اللي رسمتلي فيه العلامة اللي كشفت الحقيقة وخرجتنا من السنين الصعبة اللي عشناها.

أمي رفعت رأسي، ومسحت دموعي وإيدها بترتعش من الفرحة، وقالت بصوت كله دفء وأمان:

أمي: رجع البيت لروحه خلاص يا نسمة.. خلاص يا مايا.. الفترة الصعبة انتهت، ويا دوب نلحق نجهز لفرحك ونفرش شقتك زي ما كنت بحلم طول عمري.

حضنتها بأقوى ما عندي، ولأول مرة من 15 سنة، حسيت إن صدري بيتنفس براحة، وإن البيت رجع يتدفى تاني بوجودها.

حسيت إن الحقيقة مهما اتأخرت، ومهما حاول أي حد يخبيها، لازم ييجي يوم وتظهر للنور.

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى