عام
أخر الأخبار

وهي بتولد

ما كانتش ضعيفة هي بس كانت طيبة زيادة عن اللزوم، بنت اتربت على إن الخير دايما بيرجع وإن اللي بتحبه بصدق مستحيل يأذيها. ورغم إنها كانت بنت أغنى رجل أعمال في المجال السياحي ووارثة سلسلة فنادق وفلل وقصور، إلا إنها كانت دايما حاسة إنها ناقصها حاجة؛ ناقصها حضن بجد، حد يحبها هي مش فلوسها.

ولما دخل عمر حياتها، دخل زي النسمة، مهندس شاطر صوته واطي كلامه موزون بيعرف يقول الكلمة في وقتها، لعب على وتر الوحدة صح. ولما اتجوزوا، نقلته من شقته المتواضعة للقصر ومن مرتب محدود لعالم الملايين. ومن أول سنة جواز ابتدى يتغير، بقى يقارنها بنفسه، بفلوسها، بسلطتها، يحس إنها أعلى منه. وأمه صفية ما كانتش سايبة النار تطفي، كل يوم كلمة وكل يوم سم.

لحد ما الحمل جه، بدل ما يقربهم بقى سلاح. نور كانت تعبانة وحملها خطر والدكاترة محذرين، بس صفية كانت دايما تبتسم وتقول قضاء وقدر. ولما نور سمعت الحوار الليلة دي، ما صرختش، ما واجهتش، ما انهارتش، بالعكس رجعت أوضتها قفلت الباب وقعدت تبكي بهدوء، وبعدها مسحت دموعها وابتسمت ابتسامة واحدة بس؛ ابتسامة واحدة اللي تعرفها الستات اللي اتجرحوا قوي. ومن اللحظة دي نور قررت تثبت حقها بكل ذكاء.

تاني يوم راحت لدكتور خاص بعيد عن عيون عمر وأمه، دكتور ثقة كان صاحب أبوها. وبعد الكشف قالها الحقيقة اللي قلبتها من جوه: إنتي حامل في توأم بس الحمل ضعيف ولو ماخدناش بالنا ممكن يحصل مضاعفات. نور ابتسمت وقالتله عايزة محدش يعرف غيرك. ومن اللحظة دي ابتدى التخطيط؛ غيرت الفيتامينات وبدلت اللي كانت صفية بتبعتهم وخدت اللي يحافظ على الأجنة، وسجلت كل حاجة، كل مكالمة، كل رسالة، كل تحركات نهى السكرتيرة اللي بقت تدخل القصر من غير استئذان. ونور كانت سايبة تمثل دور الغبية العيانة المكسورة لحد يوم الولادة، اليوم اللي كانوا مستنيينه، اليوم اللي صفية قالت فيه لعمر “النهارده يا ابني ربنا هيفرجها”.

ولما دخلت أوضة العمليات، كانت نور عارفة إنها ممكن ما تطلعش، بس كانت مطمئنة لأنها ضمنت إن ولادها يعيشوا وإن اللي حاولوا يؤذوها ما يفلتوش. ولما القلب وقف وعمر تنفس الصعداء وابتسامة نهى طلعت، والدكتور عادل قال: “دول توأم”. الصدمة ما كانتش بس في الكلمتين، الصدمة في اللي جه بعدها، لأن الدكتور كمل وقال: “والأهم، الأم كانت مسجلة كل حاجة وسلبت الشرطة فلاشة صغيرة؛ تسجيلات بصوت صفية وهي بتخطط، وبصوت عمر وهو بيوافق، وبأدلة تحويلات لنهى وبروشتات مزورة”.

ولما اتجوزوا التحقيق واكتشفوا الحقيقة، اتقبض على عمر من المستشفى، صفية اتنقلت على القسم، ونهى اتقفشت. والتوأم عاشوا أطفال شبه أمهم. وبعد شهور القضية خلصت، عمر اتحكم عليه، صفية سُجنت، ونهى اختفت من عالم المال. والتوأم كبروا تحت رعاية ناس بتحبهم، واسم نور بقى محفور ليس كضحية، بل كست ذكية عرفت إزاي تحمي حقها وحق أولادها.

القصة الثانية: ظلال المظاهر وحقيقة الديون المستترة
كنت غاضبا منها لأنها كانت السبب في ابتعاد أخي عن أهله، وأيضا لأنها اختارت ترتيبات بسيطة لوداعه بحجة عدم وجود سيولة كافية. في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى البنك بصفتي وكيل الورثة لاستلام تركة أخي الملياردير. مدير البنك لم يعطيني شيكا، بل نظر إلي بوجه شاحب ثم قال: “سيدي لا أعرف ماذا أقول لك، ولكن يجب أن ترى ذلك بنفسك”.

اسمي ياسر، أبلغ من العمر 38 عاما. أخي الأكبر كمال كان أسطورة العائلة، رجل الأعمال الناجح صاحب السيارات الفارهة والبدلات التي تفصل خصيصا في إيطاليا. كنا جميعا نعيش في خيره حتى تزوج ريهام. ريهام كانت دقيقة صارمة وتكره البذخ، ومنذ دخلت حياته بدأت حنفية الأموال تغلق تدريجيا، وتوقفت الهدايا الباهظة، وقلت العزائم الفاخرة، كنا نكرهها ونسميها في جلساتنا الخاصة “الخزنة المغلقة”.

ماة كمال فجأة بسكتة قلبية وهو في مكتبه الفخم، وكانت صدمة للجميع. وفي غمرة حزننا، تولت ريهام ترتيبات الودع والأمور التنظيمية، وفوجئت بها قد اختارت أبسط الترتيبات ورفضت الإسراف. لم أعد أحتمل، وانفجرت فيها أمام الحضور: “هل وصل بك البخل إلى هذا الحد؟ الرجل توفي! لن يأخذ ماله معه!”. نظرت إلي بعيون جافة خالية من الدموع وقالت بصوت مبحوح: “ياسر.. الستر أهم من المظاهر. دعنا نرثي أخاك بسلام”. صرخت فيها وطلبت منها المغادرة.

في صباح اليوم التالي، عندما ذهبت للبنك لبدء إجراءات الميراث، جلست أمام مدير الفرع الذي طلب مني الاطلاع على كشف حساب التركة. نظر إلي طويلا ثم أخرج ملفا وقال بتردد: “البقاء لله يا أستاذ ياسر، ولكن يؤسفني أن أخبرك أن حسابات المرحوم كلها مدينة، والرصيد صفر وهناك مديونيات للبنك تتجاوز الملايين”. صرخت فيه مستحيلا، فأدار الشاشة نحوي وقال بهدوء إن الفيلا والسيارات مرهونة، والمصنع كان يعمل بخسارة.

ثم أشار إلى سطر تتكرر فيه إيداعات ضخمة: “هذه التحويلات التي كانت تغطي فوائد القروض وتمنع ملاحقة أخيك طوال العامين الماضيين مصدرها حساب مدام ريهام”. أكمل المدير أنها باعت شجقتها ومجوهراتها وكانت تحول راتبها بالكامل للبنك، وكانت تسدد أقساط المظاهر الكاذبة التي كان يصر عليها كمال لكي يحافظ على صورته الاجتماعية.

خرجت من البنك وأنا لا أرى أمامي، وتذكرت وجهها الصابر. لم تكن بخيلة، بل كانت تحمل جبلا من الأسرار وحدها لتحمي عائلته من الانهيار. ركضت إلى شقتها وطلبت السماح منها، وبكت ريهام بحرقة على ما عانته من ظلم وتفهم الجميع لاحقا حجم التضحيات الصامتة التي قدمتها لستر العائلة.

القصة الثالثة: حماية الهدوء وحقيقة الماضي الخفي
أسمي لورين، أبلغ من العمر 27 عاما، وأدركت مؤخرا أن أكثر اللحظات هدوءا دائما ما تتبعها عواصف مفاجئة. في عشاء عيد زواجنا الخامس كان كل شيء يبدو مثاليا؛ الشموع والموسيقى الهادئة والمطعم الجميل. رفعت كأسي مبتسمة لزوجي ماتيو، لكنه لم يرفع كأسه ولم يلمس طعامه على الإطلاق. كان وجهه شاحبا وتجمعت قطرات العرق على جبينه وهو ينظر حوله بريبة.

فجأة قام من مكانه وقال: “يجب أن نغادر.. الآن”. ضحكت بارتباك وسألته عما إذا كان قد نسيت شيئا، فأمسك يدي بعنف وسحبني من الكرسي. في الخارج، فتح السيارة ويداه ترتجفان، وقال بصوت يغلبه التوتر إنه رأى شخصا في الداخل لم يكن من المفترض أن يكون هناك. سألته عما يعنيه، فهمس قائلا إنه عميل فيدرالي مرتبط بحياة سابقة قبل أن يقابلني.

شرح لي بهدوء أنه قبل سنوات أدلى بشهادته في قضية كبرى ضد شبكة منظمة، ونتيجة لذلك وُضع في برنامج حماية الشهود بأسماء وهويات جديدة. قال وهو يبكي إنه لم يكن مسموحا له أن يحب أو يرتبط بأحد، لكنه استسلم لمشاعره نحوي لأنه وجد فيّ الصدق الحقيقي. أخبرني أن لديه ظرفا يحتوي على جواز سفر ومبلغ مالي، وأنه يتفهم إن أردت الرحيل والعودة لحياتي الطبيعية.

لكنني نظرت إليه وحسمت أمري؛ الكذبة مهما كانت دوافعها قاسية، لكن الحب الحقيقي يعني أن نواجه التحديات معا لا أن نهرب. قُدنا السيارة إلى مكتب صغير حيث التقينا بمسؤولين أعطونا وثائق وهويات جديدة، ومع بزوغ الفجر كنا نجلس في سيارة تابعة للجهات الأمنية نغادر المدينة نحو مجهول جديد.

بعد مرور سنة على تلك الليلة، نعيش اليوم في مدينة أخرى بأسماء جديدة، بلا احتفالات صاخبة، لكننا على قيد الحياة معا. تعلمت من هذه التجربة أن الحب الحقيقي لا يظهر فقط في قاعات الاحتفالات المضيئة، بل في القرار الهادئ بالثبات والاستمرار ومواجهة الصعاب يدا بيد مهما كانت الظروف.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى