عام
أخر الأخبار

رواية كامله جوزي كان كل يوم يجيلي أكل بقلم زهرة الربيع

جوزي كان كل يوم يجيبلي علبة أكل على شغلي، بس مكنتش أقدر آكله لأنه حامي ومشطشط، فكنت يوميًا ببدل مع زميلتي في الشغل من وراه.. وبعد ست شهور، لما جه معاد الكشف الطبي السنوي بتاع الشركة، وقفت في مكاني مذهولة وحسيت ببرد غريب جوايا!!!

يوميًا كان سامح جوزي يجيبلي علبة الغدا، ومبيفوتش يوم واحد. كان يقولي إنه جايبها من المطعم اللي بيجيب لنفسه منه، لأنه بيعمل أكل صحي زي أكل البيت.

وفي الشركة، الموضوع ده بقى زي طقس رسمي الكل حافظه. الساعة تيجي اتنين الظهر بالثانية، تلاقيه واقف عند الباب ومعاه الشنطة الحرارية الشيك دي. ووسط نظرات الحسد والانبهار من البنات في المكتب، يسلمني العلبة وهو بيقولي:

— يا حبيبتي كلي الأكل وهو سخن، بالهنا والشفا.

نبرة صوته ونظرة عينيه كانت بتبقى مليانة حنية لدرجة تخلي الكل يحسده عليّا. وزميلاتي يقولوا: يا بختك.. خدتي الراجل اللي مفيش منه.

وأنا الصراحة في الأول كنت فاكرة كده برضه.

سامح فعلًا كان بيعاملني زي الأميرة، ومقصرش معايا في حاجة، وبيخاف عليّا من الهوا الطاير.

بس كانت فيه مشكلة واحدة منغصة عليّا.

أكله حامي نار!

أنا من القاهرة، وبحب الأكل الخفيف اللي ملحه قليل. وهو أصله من الصعيد، والأكل عنده لو مكنش مشطشط ويحرق اللسان يبقى ملوش طعم.

كان دايماً يقنعني ويقولي الشطة بتنظف الجسم وبتخلي الوش ينور يا مروة.

في الأول كنت بضغط على نفسي وأكل لقمة أو اتنين، بس كنت بقوم وعيني حمرا ومعدتي قايدة نار.

عشان كده، أول ما ندى جت الشغل، وبقينا صحاب، لقيتها فرج. ندى أصلاً من طنطا وبتحب الأكل المسبك والحامي، ودايماً تشتكي من أكل الكانتين بتاع الشركة إنه ماسخ وملوش طعم.

أكلها هي كان عبارة عن خضار سوتيه، وفراخ مسلوقة، وحاجات خفيفة على المعدة.. وده كان بالنسبالي جنة.

أما علب الأكل المشطشطة اللي جوزي بيجبهالي، فكانت بالنسبالها كنز ونفسها تروح فيه.

واتفقنا من غير كلام.

كل يوم أول ما سامح يمشي من هنا، أزق علبتي لندى، وهي تديني علبتها.

— يا مروة، جوزك ده أكل حلو بصراحة! طاجن البامية النهاردة ريحته جايبة لآخر الممر!

كانت بتاكل وهي عرقانة من الشطة ومبسوطة على الآخر، وأنا قاعدة باكل الخضار السوتيه بتاعي ومعدتي مستريحة.

كنت أبتسم وأقولها: بالف هنا يا حبيبتي، مطرح ما يسري يمري.

واستمر سرنا ده ست شهور كاملين، محدش في الشركة يعرف عنه حاجة، وكنت حاسة إننا عاملين تحالف غدا متين ومريح للطرفين.

لحد ما جه يوم الفحص الطبي السنوي.

أول ما الورق وصل، الشركة اتقلبت.

اللي عنده الكوليسترول عالي، واللي اليوريك أسيد عنده ضرب في السقف.

مدام إيمان طلع عندها دهون على الكبد، وأستاذ أحمد المحاسب طلع عنده نقرس، حتى مدير الإدارة اللي بيمشي على السير ومبيفوتش تمرين جيم، طلع عنده دهون ثلاثية!

أما أنا مسكت تقريري وأنا مذهولة.

كل التحاليل قدامها علامات خضراء.. كله في السليم ومفيش أي نسبة غلط.

كنت الوحيدة في الشركة اللي صحتها توب التوب.

— ما شاء الله يا مروة، صحتك حديد! أنتِ مبتعمليش دايت ولا بتروحي جيم، قوليلي بقا سر الوصفة إيه؟

الكل كان عمال يسألني، وأنا مش عارفة أقول إيه، وكنت بسأل نفسي: هو معقول الأكل المشطشط اللي سامح بيبعته كان فيه سر وأنا مش فاهمة؟

وأنا في وسط أفكاري، سمعت صوت شهقة عياط مكتومة.

كانت ندى.

كانت ماسكة الورقة بتاعتها ووشها طالع منه الدم، وبتترعش.

جريت عليها وسندتها: ندى! في إيه يا بنتي مالك؟

أول ما شافتني، عيطت بانهيار.

الدكتور قلع النضارة، وحاجبه اترفع وهو بيسألها باستغراب:

— هو أنتِ يا بنتي الفترة الأخيرة دي كنتِ بتاكلي أكل من الشارع مش نظيف؟ أو أكل فيه مواد مجهولة اللي قدامي ده مش طبيعي أبداً؟

وش مروة في ثانية بقى زي الليمونة المعصورة والدم هرب منه.

وتلقائيًا، وبدون وعي، لفت راسها وبصت لي بعتاب وضيق!

أنا في اللحظة دي اتسمرت في مكاني.. ومبقتش عارفة أتحرك ولا فاهمة فيه إيه.

أخدت منها ورقة التحاليل، وعيني وسعت من الصدمة وكنت هقع من طولي!!!!!!

زهرة_الربيع

أخدت الورقة من إيد ندى، وبصيت فيها بسرعة، لكن الأرقام والمصطلحات الطبية كانت ملخبطة قدام عيني من التوتر.

— فيه إيه؟

سألت الدكتور بصوت متقطع.

أشار على التحليل وقال بجدية:

— فيه ارتفاع شديد في بعض المؤشرات الخاصة بالكبد، وكمان آثار تعرض مستمر لمادة معينة بترهق الجسم. لازم نعرف هي بتاكل إيه بالظبط.

ندى مسحت دموعها وقالت وهي بتبصلي:

— أنا باكل عادي… أو يعني…

وسكتت.

الدكتور ضيق عينه وسأل:

— أو يعني إيه؟

هنا ندى بصتلي تاني، وكأنها محتارة تقول الحقيقة ولا لأ.

أنا قلبي بدأ يدق بعنف.

وفجأة قالت:

— بقالى حوالي ست شهور… باكل أكل صاحبة عمري مروة.

الصمت نزل على الأوضة.

حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

الدكتور بصلي وبصلها باستغراب.

— بتاكلوا نفس الأكل؟

ندى هزت رأسها.

— كنا بنبدل علب الغدا كل يوم.

الدكتور طلب يشوف علبة من الأكل لو أمكن.

ولحسن الحظ كان يومها سامح جايبلي الغدا كعادته، ولسه العلبة مقفولة في شنطتي.

فتحها الدكتور وبدأ يفحص الأكل بعينه.

وفجأة وقف عند نوع معين من التوابل المحطوطة فوق الأكل.

شمها.

وبعدين أخد جزء صغير منها للفحص السريع اللي كان موجود في معمل الشركة.

عدت نص ساعة كأنها سنة كاملة.

ورجع الدكتور وهو ماسك النتيجة ووشه متغير.

— مين اللي بيطبخ الأكل ده؟

قلت بسرعة:

— جوزي.

قال:

— مؤكد؟

— أيوه.

سكت لحظة ثم قال:

— الغريب إن التوابل دي مش مجرد شطة.

كل اللي في الأوضة اتوتر.

وأنا حسيت إن نفسي اتقطع.

— أمال إيه؟

الدكتور رد:

— دي خلطة أعشاب صحية مستوردة. فيها مكونات بتساعد على خفض الدهون والسكر وتحسين مؤشرات الجسم. عشان كده تحاليلك ممتازة.

اتنفست الصعداء للحظة.

لكن الدكتور كمل كلامه:

— المشكلة إن الإفراط فيها ممكن يرهق الكبد عند بعض الأشخاص لو جسمهم مش متعود عليها.

كل العيون راحت على ندى.

ندى شهقت.

وأما أنا فافتكرت فجأة إن سامح كان كل شوية يقولي: كلي الأكل كله يا مروة ومتسيبيش حاجة.

وأنا عمري ما أكلته.

رجعت البيت يومها وأنا عقلي هينفجر من التفكير.

أول ما دخلت، سامح كان مستنيني على السفرة.

بصلي بابتسامة هادية وقال:

— أخيرًا عرفتي؟

اتجمدت مكاني.

— أعرف إيه؟

حط المعلقة من إيده وقال:

— إني كنت عارف من أول أسبوع إنك بتبدلي الأكل.

حسيت إن قلبي وقف.

— إيه؟!

ابتسم وقال:

— كنت بشوف علبتك بترجع زي ما هي تقريبًا، وفي المقابل تحاليلك كانت بتتحسن بطريقة غريبة. وقتها فهمت إن فيه حاجة.

— وليه ما قولتش؟

سامح سكت ثواني، ثم فتح درج جانبه وأخرج ظرفًا أبيض.

ناولني الظرف.

فتحته بإيد مرتعشة.

وكانت الصدمة الأكبر…

جواه تقرير طبي باسمي أنا.

تقرير قديم من سنة فاتت.

وفي آخره جملة مكتوبة بخط واضح:

«المريضة معرضة للإصابة بمشاكل صحية خطيرة إذا استمرت على نظامها الغذائي الحالي.»

رفعت عيني ليه وأنا مش فاهمة.

فقال بهدوء:

— أنا مش كنت بجيبلك الأكل عشان أتعبك بالشطة يا مروة… أنا كنت بحاول أساعدك.

وساعتها فقط…

افتكرت كل مرة كنت أضحك عليه وأبدل العلبة من وراه.

وافتكرت إنه عمره ما زعق ولا اشتكى.

بس كان كل يوم يفضل يحاول من جديد.

أما ندى…

فبعد مراجعات طويلة مع الأطباء، اكتشفوا إن المشكلة الأساسية عندها كانت مرضًا قديمًا في الكبد لم تكن تعرف عنه شيئًا، والخلطة القوية زودت الأعراض وخلت المرض يظهر أسرع.

ومن يومها…

بطلنا لعبة تبديل العلب.

لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بأسبوع واحد فقط…

لما لقيت سامح بيجهز شنطة سفر كبيرة جدًا، ومعاها ملف أوراق باسمي…

ولما سألته رايح فين، رد بابتسامة غامضة:

— على المكان اللي كنت بخطط آخدك ليه من ست شهور… بعد ما أتأكد إن صحتك بقت تسمح.

وساعتها عرفت إن لسه فيه سر أكبر مخبيه عني… سر هيغير حياتنا كلها. بصيت للشنطة والملف اللي في إيده، وقلبي بدأ يدق بسرعة.

— سر إيه يا سامح؟

ابتسم ابتسامة غريبة وقال:

— اصبري لما نوصل.

طول الطريق وأنا بسأله وهو يتهرب من الإجابة.

وصلنا بعد ساعات قدام فيلا كبيرة على أطراف المدينة.

مكان هادي جدًا ومحاط بأشجار وزرع من كل ناحية.

نزل سامح وفتح البوابة بالمفتاح.

أنا استغربت.

— إحنا جايين لمين؟

قال وهو بيبصلي:

— لبيتنا.

اتجمدت.

— بيتنا؟!

دخلت وأنا مش مصدقة.

الفيلا فخمة بشكل عمري ما حلمت بيه.

كل ركن فيها معمول بذوق عالي.

لفيت ناحيته وأنا مذهولة.

— إنت اشتريت ده إمتى؟

تنهد وقال:

— من سنتين.

— ومن سنتين مخبي عليّا؟!

هز رأسه وقال:

— كنت مستني الوقت المناسب.

بدأ الغضب يطلع جوايا.

— وإيه كمان مخبيه؟

سكت ثواني وقال:

— كتير.

الكلمة نزلت عليّا زي الصاعقة.

في اللحظة دي رن تليفونه.

بص للشاشة واتغير لون وشه فجأة.

رفض المكالمة.

بعد دقيقة التليفون رن تاني.

وتالت.

ورابع.

أنا خطفته من إيده قبل ما يمنعني.

الاسم اللي على الشاشة خلاني أتجمد:

د. ليلى.

بصيتله باستغراب.

— مين دي؟

قال بسرعة:

— شغل.

لكن نبرة صوته كانت مهزوزة.

لأول مرة من سنين أحس إنه بيكدب.

الموضوع فضل شاغلني طول الليل.

ولما سامح نام، فضولي غلبني.

فتحت الملف اللي كان جايبه معاه.

في الأول لقيت أوراق ملكية الفيلا.

بعدين عقود استثمار.

وبعدين كشف حسابات.

لكن في آخر الملف…

لقيت ظرف أصفر قديم.

عليه اسمي.

اترددت ثواني.

وبعدين فتحته.

أول ورقة وقعت منه كانت صورة أشعة.

وبعدها تقرير طبي.

تاريخه من قبل جوازنا بشهرين.

بدأت أقرأ.

وفجأة وقفت عند جملة خلت الدنيا تلف بيا:

«احتمالية الإنجاب للمريضة ضعيفة للغاية.»

شهقت بقوة.

أنا عمري ما شفت التقرير ده قبل كده.

ولا أي دكتور قالي الكلام ده.

كملت قراءة وأنا بترعش.

وفي آخر الصفحة توقيع الدكتور.

ودليل استلام باسم…

سامح.

ساعتها فهمت.

هو كان يعرف.

كان عارف قبل الجواز كله.

وعمره ما قالي.

دموعي نزلت لوحدها.

افتكرت كل مرة كنت أعتذرله لأني لسه مخلفتش.

كل مرة كنت أحس إني مقصرة.

وهو كان يقول:

— رزقنا هيجي في وقته.

كأنه عارف الحقيقة كلها.

لكن السؤال اللي قتلني:

ليه أخفى الموضوع؟

وفي اللحظة اللي كنت غرقانة فيها في أفكاري…

سمعت صوت باب الفيلا بيتفتح بهدوء.

الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.

سامح كان نايم جنبي من شوية!

رفعت راسي بسرعة.

ولقيت السرير فاضي.

قمت أمشي على أطراف صوابعي.

ونزلت للدور الأرضي.

كان فيه نور خافت جاي من المكتب.

قربت أكتر.

وسمعت صوت سامح.

كان بيتكلم مع حد.

صوته كان متوتر جدًا.

وبيقول:

— لازم تعرف الحقيقة بنفسها قريب… ما بقاش ينفع نخبي أكتر من كده.

وسكت لحظة.

ثم قال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي:

— البنت رجعت مصر… ولو مروة شافتها قبل ما أشرح كل حاجة، هتضيع حياتنا كلنا.

وقبل ما أستوعب معنى الكلام…

اتفتح الباب فجأة.

ووقفت قدامي شابة في أوائل العشرينات.

ملامحها خلت نفسي ينقطع.

لأنها كانت نسخة مني بالضبط…

نفس العيون.

ونفس الابتسامة.

ونفس ملامح الوش.

أما هي فبصتلي بصدمة وقالت:

— أخيرًا شوفتك يا أمي…

وفي اللحظة دي…

وقعت الكوباية من إيدي واتكسرت على الأرض، بينما سامح شحب وجهه وعرف إن السر اللي دفنه سنين طويلة خرج للنور أخيرًا…!

اتجمدت في مكاني.

حسيت إن صوت البنت جاي من بعيد، كأن الدنيا كلها بقت ضباب.

— أمي؟!

الكلمة فضلت ترن في ودني.

بصيت للبنت، وبعدين لسامح.

وسامح كان واقف وشه شاحب وعينه مليانة قلق، لأول مرة أشوفه بالشكل ده.

صرخت فيه:

— مين دي؟!

البنت نفسها بدأت دموعها تنزل.

وقالت بصوت مرتعش:

— أنا آسفة… مكنتش عايزة الأمور تحصل كده.

لكن أعصابي كانت خلاص انهارت.

— حد يفهمني!

سامح قرب خطوة وقال:

— اقعدي يا مروة وأنا هحكيلك كل حاجة.

قعدت وأنا حاسة إن قلبي هيقف.

وأخيرًا بدأ يتكلم.

قبل ما نتجوز بسنة تقريبًا، مروة كانت اتعرضت لحادثة كبيرة وهي طالبة في الجامعة.

الحادثة دي دخلتها المستشفى أيام طويلة.

وخلال فترة العلاج، احتاجت نقل دم بشكل عاجل.

في الوقت ده كانت فيه فوضى إدارية كبيرة في المستشفى.

واتبدلت ملفات مرضى كتير.

ومن ضمنهم ملف مروة.

سامح كان شغال وقتها متطوع في جمعية خيرية بتساعد المرضى.

ومن خلال صدفة غريبة اكتشف بعد سنين إن التقرير الطبي اللي مروة شافته الليلة دي مش تقريرها أصلًا.

كان تقرير بنت تانية.

أما التقرير الحقيقي لمروة فكان بيأكد إنها سليمة تمامًا.

أنا بصيتله بعدم فهم.

— وإيه علاقة البنت دي بكل ده؟

تنهد سامح.

ثم مد إيده للبنت.

— عرفي نفسك.

البنت مسحت دموعها وقالت:

— اسمي ياسمين.

ثم أخرجت ظرفًا من شنطتها.

فتحت الظرف.

وفيه مجموعة صور قديمة.

أول صورة خلتني أوقف أنفاسي.

كنت أنا.

لكن الصورة متصورة وأنا عندي حوالي سنة أو سنتين.

وفي حضني طفلة صغيرة.

نفس الطفلة اللي قدامي دلوقتي.

بدأ عقلي يرفض يصدق.

— مستحيل…

سامح قال بهدوء:

— مش بنتك.

رفعت رأسي بسرعة.

فكمل:

— دي أختك.

الصمت نزل على المكان.

أنا عمري ما كان عندي أخت.

على الأقل ده اللي كنت فاكراه.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

قبل ولادتي بسنوات، أمي وأنا صغيرين جدًا تعرضوا لأزمة مالية قاسية.

وكان عندهم طفلتين.

أنا وأختي التوأم.

ولأن واحدة من قريبات العائلة كانت محرومة من الإنجاب، اتفقت العيلتين بشكل سري على تربيتها عندهم.

الأوراق اتغيرت.

والسنين عدت.

والسر اتدفن.

وأمي أخدت الحكاية معاها.

أما ياسمين، فما عرفت الحقيقة غير من شهور قليلة لما بدأت تدور في أوراق قديمة بعد غياب والدها.

وساعتها وصلت الخيوط كلها لسامح.

أنا كنت بسمع وعقلي عاجز عن الاستيعاب.

كل حاجة كنت فاكراها عن حياتي بدأت تتفكك.

لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.

ياسمين فتحت شنطتها مرة تانية.

وأخرجت ملفًا آخر.

حطته قدامي.

وقالت:

— أنا ماجتش عشان أعرفك بنفسي بس.

فتحت الملف.

ولقيت أوراق ملكية.

وأسماء.

وعقود.

وأختام رسمية.

وورث.

وورث كبير جدًا.

أراضي.

وعقارات.

وشركات.

كلها باسم جدنا.

وفي آخر وصية مكتوب بوضوح:

«تقسم جميع الممتلكات بالتساوي بين الحفيدتين التوأم.»

رفعت رأسي مذهولة.

ياسمين قالت:

— في ناس عرفوا بوجودك.

سامح شد فكه بقوة.

فهمت من ملامحه إن فيه حاجة خطيرة.

سألته:

— مين؟

رد بصوت منخفض:

— ناس صرفوا سنين طويلة مستفيدين من إنك مش موجودة في الصورة.

— يعني إيه؟

قال:

— يعني من ساعة ما ياسمين بدأت تدور، حصلت محاولات تزوير واختفاء مستندات وضغوط.

وفي اللحظة نفسها…

سمعنا صوت ارتطام قوي جاي من خارج الفيلا.

كلنا اتلفتنا ناحية الشباك.

ولقينا عربية سوداء واقفة قدام البوابة.

وأربع رجال نزلوا منها.

واحد منهم كان ماسك ملفًا بيده.

والتاني كان بيشير ناحية الفيلا مباشرة.

أما سامح…

فوقف بسرعة واتغيرت ملامحه تمامًا.

وقال جملة واحدة خلت القلق يدب في المكان كله:

— وصلوا قبل ما نلحق نبلغ المحامي…

يتبع…

سامح قفل باب المكتب بسرعة وجرّني ناحية الداخل.

— اطلعي فوق بسرعة، ومتفتحيش لأي حد مهما حصل.

ياسمين صرخت:

— مش هسيبكم!

لكن سامح كان لأول مرة صوته حاد:

— اقعدي هنا، دول مش جايين يتكلموا.

صوت خطوات برا بدأ يقرب من البوابة.

خبطة قوية هزّت السور الحديد.

وبعدين صوت رجالة بيتكلموا:

— افتح يا سامح، إحنا عارفين إنها عندك.

اتجمدت.

هي مين؟ أنا ولا ياسمين؟

سامح مردش.

بس عينه كانت بتقول إن الخطر أكبر من كده بكتير.

فجأة نور الفيلا كلها فصل.

الضلمة ابتلعت المكان.

— الكهربا اتقطعت؟

لكن سامح همس:

— دي مش صدفة.

سحبني وطلعنا السلم بسرعة، وفي إيده فلاش صغير.

وفوق في الأوضة، قفل الباب ووراه.

— خليكي هنا مهما حصل.

وبعدين نزل تاني قبل ما أرد.

من الشباك شوفتهم.

الرجل اللي ماسك الملف وقف قدام الباب، وابتسم ابتسامة باردة.

وقال:

— فاكر نفسك هتخبّيها عننا يا سامح؟

رد عليه واحد من الرجالة:

— الوصية لازم تختفي قبل الصبح.

قلبي وقع.

وصية؟ نفس الورق اللي ياسمين كانت جايباه؟

وفي اللحظة دي سمعت صوت تكسير تحت.

الدخول بدأ.

ياسمين كانت بتعيط في الدور الأرضي.

وأنا محبوسة فوق مش قادرة أتحرك.

لكن فجأة لقيت تليفوني بيرن.

رقم غريب.

رديت وأنا همس:

— ألو؟

صوت واطي جدًا جالي:

— لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، اخرجي من الفيلا من الباب الخلفي دلوقتي.

اتجمدت.

— مين معايا؟

لكن الخط قفل.

وقفت أبص حواليا.

باب الأوضة.

الشباك.

وصوت خطوات تحت بيقرب.

وفي لحظة واحدة اتخذت قرار مستحيل.

فتحت الشباك ونزلت على ماسورة المياه برا.

وقبل ما ألمس الأرض…

شوفت حاجة خلت دمي يتجمد.

العربية السودا مش واقفة بس.

لا.

فيها حد قاعد في المقعد الخلفي بيبصلي مباشرة.

وكأنه كان مستنيني أطلع بالظبط في اللحظة دي.

وببطء فتح الباب ونزل.

وكان أول ما قاله وهو بيقرب مني:

— أخيرًا لقيناك يا مروة.

وفجأة من وراه ظهر سامح، بيجري ناحيتي وبيصرخ:

— ما تسمعيش له! ده السبب في كل اللي بيحصل!

وفي ثواني اتقابل الاتنين قدام بعض.

والرجل ابتسم وقال بهدوء مخيف:

— اختار يا سامح: يا هي يا الوصية تختفي للأبد.

وساعتها فهمت إن الموضوع عمره ما كان وراثة بس. ده كان صراع كبير أنا داخلة فيه من غير ما أعرف.

الهوا اتجمد حواليا.

كلمة اختار وقعت كأنها رصاصة في نص الليلة.

سامح وقف قدامه، عينه مش بتترمش.

— مش هتلمسها.

الرجل ضحك بهدوء، وفتح الملف اللي في إيده:

— إنت فاكر إن الموضوع كان صدفة؟ كل خطوة في حياتك محسوبة يا سامح.

ياسمين ظهرت من باب الفيلا الخلفي وهي بتجري:

— مروة! ما تطلعيش!

لكن الوقت كان فات.

الرجل بصلي، وقال بنبرة أخطر:

— إنتِ المفتاح يا مروة، مش الوريثة بس.

قلبي اتقبض.

— مفتاح لإيه؟

سكت لحظة، وبعدين قال:

— لشركات كانت بتستخدم أموالًا بطرق غير سليمة من سنين. وجدك لما كتب الوصية، كتب معاها سر لو اتكشف ناس كتير هتقع في مشاكل كبيرة.

سامح صرخ فيه:

— كفاية كذب!

لكن الرجل رفع إيده، وفجأة اتنين من رجالةه مسكوا سامح من وراه.

اتجمدت.

— سيبوه!

ركبت رجلي من الخوف، بس الرجل قرب مني أكتر.

— إنتِ مش فاهمة حاجة. سامح من الأول كان مراقبك مش حمايتك.

الصمت نزل عليّا فجأة.

بصيت لسامح.

— إيه؟

سامح حاول يفلت:

— ده بيكدب عليك!

لكن الرجل كمل:

— اسأليه ليه كان عارف كل حاجة عنك قبل ما يقابلك أصلًا؟

الدنيا لفت بيا.

رجعت خطوة لورا.

— إنت كنت عارفني؟

سامح سكت.

سكتة كانت أخطر من أي إجابة.

في اللحظة دي ياسمين صرخت:

— كفاية! أنا اللي لقيت الملف الأول، وسامح هو اللي قاللي أدور عليكي، هو اللي جمعنا!

رجعت بصيت له تاني.

عيونه كانت فيها حاجة غريبة، مش خوف بس.

ذنب.

الرجل ابتسم:

— شفتِ؟ اللعبة أقدم من جوازكم وأكبر منكم كلكم.

وفجأة رفع التليفون وقال:

— لو مشيتوا دلوقتي، هسيبها في حالها. ولو لا، هنبدأ نفتح الملفات واحد واحد.

وفي ثواني نور عربيته اتحرك.

والرجالة سابوا سامح فجأة.

لكن قبل ما يمشي، بصلي وقال:

— دي مجرد بداية يا مروة. الحقيقة اللي جاية هتكسر اللي فاضل من حياتك.

العربية مشيت.

وسامح وقع على الأرض بعد ما اتفك من رجالةه.

ياسمين جريت عليه:

— إنت كويس؟!

لكن أنا ما قدرتش أتحرك.

كنت واقفة، ودماغي بتعيد نفس السؤال:

هو فعلاً كان بيراقبني ولا بينقذني؟

سامح رفع عينه ليّ وقال بصوت مكسور:

— لو قولتلك إن كل اللي عملته كان عشان أحميكي هتصدقيني؟

وسكت.

وبعدين أضاف جملة أخيرة خلتني أتجمد أكتر:

— لأن اللي جاي مش هيبقى مجرد ورث ولا ملفات. ده انتقام قديم بدأ من سنين، وإنتِ دلوقتي في نصه.

وفجأة جت رسالة على تليفوني.

من رقم مجهول.

محتواها كان جملة واحدة بس:

«ماتثقيش في سامح. هو اللي فتح الباب من الأول.»

والليلة دي فهمت إن كل حاجة اتقالت قبل كده كانت مجرد بداية خداع كبير، ولسه الحقيقة الحقيقية لسه ما ظهرتش.

إيدي بدأت ترتعش وأنا ماسكة التليفون.

الجملة اللي على الشاشة كانت كأنها صفعة:

«ماتثقيش في سامح. هو اللي فتح الباب من الأول.»

رفعت عيني عليه.

كان قاعد على الأرض، بيتنفس بصعوبة، لكن عينه كانت عليا أنا بس.

— مروة، ما تصدقيش أي حاجة بتوصلك من رقم مجهول.

ياسمين بصت بينا في توتر:

— إحنا مش فاهمين حاجة. مين اللي بيحرك كل ده؟

قبل ما حد يرد، فجأة العربية السودا اللي كانت ماشية رجعت تقف تاني.

بس المرة دي نزل منها شخص واحد بس.

ست.

محتشمة، شعرها أبيض، ووشها هادي بشكل يخوف أكتر من أي صراخ.

مشت ناحية الفيلا كأنها صاحبة المكان.

وأول ما سامح شافها اتجمد.

— لا… مش وقته.

همس الكلمة دي كأنه بيكلم نفسه.

الست وقفت قدامنا، وبصتلي مباشرة:

— إزيك يا مروة. أنا اللي كنت بدور عليك من سنين.

قلبي وقع.

— إنتِ مين؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:

— أنا اللي كتبت الوصية.

الصمت بقى تقيل.

ياسمين همست:

— يعني إنتِ جدتنا؟

هزت رأسها ببطء:

— وأكتر من كده. أنا اللي حميت اسم العيلة لما اتباع واتقسم واتنهب.

بصيت لها بعدم فهم:

— وصية إيه؟ وفلوس إيه؟ وأنا مالي؟

رفعت إيدها وقالت:

— إنتِ مش بس وريثة. إنتِ الدليل الوحيد إن كل اللي حصل زمان كان مخالفة كبيرة.

وفجأة بصت لسامح:

— وهو كان المفروض يكون الحارس.

سامح وقف بصعوبة:

— أنا كنت بحاول أحميها منكم كلكم.

ردت عليه بهدوء قاتل:

— ولا كنت بتحميها ولا كنت ضدهم. إنت كنت جزء من اللعبة من الأول.

الكلمة دي كسرت كل حاجة.

أنا بصيت لسامح تاني.

المرة دي مش سؤال. نظرة اتهام.

سامح صوته اتكسر:

— أنا اتخدعت زيك بالظبط.

لكن الست قربت مني وقالت:

— في حاجة واحدة بس لازم تعرفيها دلوقتي قبل ما نكمل.

سكتت لحظة.

وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم يسيب جسمي:

— اللي بيحاول يضرك مش غرباء. دول من دمك.

في نفس اللحظة ياسمين وقعت على الأرض من الصدمة.

وسامح صرخ:

— كفاية لعب في عقولنا!

لكن الست رفعت ظرف قديم جدًا، وقالت:

— الأسماء هتتقال واحدة واحدة، واللي يبدأ يسمع الحقيقة مش بيرجع زي الأول.

وبطلت تبصلي.

— أول اسم في القائمة: أبوكي.

أنا حسّيت الدنيا بتلف بيا.

— أبويا؟! مستحيل، هو غاب من سنين!

ابتسمت:

— غيابه كان بداية كل ده، مش نهايته.

وفجأة النور في الفيلا رجع شغال.

لكن الباب الخلفي اتقفل لوحده.

والعربية السودا اختفت.

كأن المكان نفسه قرر يحبسنا جواه.

وسامح همس:

— دلوقتي مفيش خروج. الحقيقة بدأت تتكشف، ومفيش حد هيقدر يوقفها.

والست قالت بهدوء مخيف:

— وأول صفحة في الحقيقة دي هتكون في القبو تحت الفيلا.

وبصتلي مباشرة:

— لأن أبوكي سايب رسالة ليكي هناك من سنين.

قلبي كان بيدق بسرعة كأنه عايز يخرج من صدري.

— قبو؟ رسالة؟ أنهي قبو أصلاً؟

الست بصت ناحية الأرض بهدوء وقالت:

— تحتكوا دلوقتي مباشرة.

سامح حاول يعترض:

— مفيش وقت لكلام ده! المكان مراقَب وممكن يدخلوا في أي لحظة!

لكنها رفعت إيدها:

— اللي جاي أخطر من أي حد برا. لأن اللي جواكي اتحرك خلاص.

بصيت لها بعدم فهم، لكن إحساس غريب كان بيجري في جسمي.

كأن في حاجة فعلًا بدأت تصحى جوايا.

ياسمين كانت لسه على الأرض، ماسكة راسها:

— أنا مش قادرة أستوعب حاجة. كل ده إحنا اتسحبنا فيه فجأة!

الست قربت من باب خشبي صغير جنب السلم، كان شبه مخفي.

— ده المدخل.

سامح وقف قدامها:

— لو نزلتِ دلوقتي، مفيش رجوع.

بصيت له لأول مرة من غير غضب، بس بتوهان:

— أنا أصلًا مش عارفة أنا مين دلوقتي عشان أرجع أو ما أرجعش.

سكت.

وده كان الرد الوحيد اللي طمني وخوفني في نفس الوقت.

الست فتحت الباب.

سلم ضيق نازل لتحت في ظلام كامل.

ريحته كانت قديمة كأن المكان متقفل من سنين.

نزلنا واحدة واحدة.

أنا الأول، وقلبي بيخبط.

ورايا سامح، وبعده ياسمين، والست آخر واحدة.

كل خطوة كانت بتقربني من حاجة مش عارفة هي إيه.

لحد ما وصلنا.

القبو كان كبير بشكل غير متوقع.

مش مخزن. ده شبه غرفة ملفات ضخمة.

حوائط مليانة دواليب خشب قديمة.

وفي النص مكتب صغير عليه لمبة شغالة لوحدها.

كأن المكان مستنينا.

وفوق المكتب كان فيه ظرف واحد بس.

عليه اسمي.

مروة.

إيدي ارتعشت وأنا بقرب.

سامح وقف:

— ما تفتحيهوش دلوقتي.

لكن الست قالت:

— لازم تفتحيه. ده السبب اللي خلى كل حاجة تحصل.

سحبت الظرف ببطء.

فتحته.

وفيه ورقة واحدة.

بخط يد قديم مهزوز.

بدأت أقرأ بصوت عالي من غير ما أقصد:

«لو وصلتي للرسالة دي يبقى الخطر قرب منك أكتر مما تتخيلي.»

بصيت حواليا بسرعة.

«أنا اللي أكتب الكلام ده أبوكي.»

اتجمدت.

وكملت:

«أنا ما اختفيتش بإرادتي. أنا بعدت عشان أحميكي من ناس مش بتغفر.»

سكت لحظة.

سامح قال بصوت منخفض:

— يا نهار أبيض.

رجعت كملت الورقة:

«لو عرفوا إني سيبت لك دليل، هيوصلوا ليكي فورًا، ووقتها مش هتكوني بس هدف. هتكوني المفتاح اللي يفتح كل حاجة.»

الست قالت بهدوء:

— هو كان عارف إنك هتيجي هنا يوم من الأيام.

إيدي بدأت تبرد.

وفجأة الورقة وقعت منها حاجة صغيرة.

شريحة إلكترونية قديمة.

سامح شد نفس:

— دي ذاكرة تخزين قديمة نادرة جدًا.

ياسمين همست:

— يعني فيها إيه؟

الست ردت:

— الحقيقة كاملة.

وفي اللحظة دي النور في القبو فصل فجأة.

الضلمة بلعت المكان.

وصوت باب فوق بيتقفل بعنف.

وبعدين خطوات.

نفس الخطوات اللي سمعناها قبل كده.

لكن المرة دي كانت أقرب.

وأخطر.

الست همست:

— اتأخروا. لقونا.

سامح مسك إيدي بسرعة:

— مهما حصل متطلعيش فوق.

لكن من فوق سمعنا صوت رجالة بيكسروا الباب.

وصوت واحد قال ببرود:

— هي هنا. أنا عارف إنها في القبو.

وفجأة صوت خطوات بدأ ينزل السلم.

واحد ورا التاني.

ولسه ملامحهم مش باينة.

لكن أول ما ظهر أول واحد عند فتحة القبو، الست بصتلي وقالت بهدوء مرعب:

— دلوقتي هتعرفي ليه أبوكي بعد، وليه هم مش عايزينك تعيشي أصلًا.

صوت الخطوات على السلم كان بيقرب ببطء، كأنه متعمد يخلي القلق يتمدّد جوانا.

سامح شد إيدي جامد:

— مروة، أيًا كان اللي هيحصل، ما تسيبيش الشريحة.

الست وقفت قدام الباب الحديدي بتاع القبو وقالت بهدوء غريب:

— متخافوش. الحقيقة لما بتظهر، بتفضح اللي ظلم أكتر ما بتفضح اللي اتظلم.

الخطوة الأولى وصلت عند حافة القبو.

ضوء كشاف نزل علينا.

وش رجالة ظهر واحد ورا التاني.

لكن اللي دخل أول واحد خلا قلبي يقع.

كان نفس الرجل اللي شوفته قبل كده، صاحب الملف.

ابتسم:

— قلتلكم اللعبة هتنتهي هنا.

بص للست وقال:

— وأخيرًا رجعتي يا مدام نوال.

اتجمدت.

— نوال؟

الست ردت بهدوء:

— اسمي مش مهم دلوقتي.

الرجل رفع إيده:

— سلمي الشريحة وخلاص، وهنسيبهم في حالهم.

سامح صرخ فيه:

— مش هتاخدها!

لكن فجأة اتفتح باب جانبي في القبو.

وصوت جديد دخل المكان:

— ولا هي ولا حاجة.

دخل راجل تاني، لابس بدلة رسمية، ومعاه مجموعة ملفات.

وبص للرجل الأول وقال:

— انتهى دورك.

كل حاجة وقفت.

— إنت مين؟

الراجل الجديد رد:

— أنا من الجهات المختصة.

وفي لحظة صمت رجالة الملف اتجمدوا.

وبدأوا يتراجعوا.

لكن الرجل صاحب الملف ابتسم ابتسامة أخيرة:

— متفتكروش إن الموضوع انتهى. طول ما مروة عايشة، كل حاجة لسه ممكن ترجع تاني.

وفجأة رمى قنبلة دخان صغيرة.

الدنيا اتملاّت دخان.

صرخات.

جري.

فوضى.

ولما الدخان خف كان اختفى.

سامح كان بيحاول يهدّي نفسه:

— هرب تاني.

لكن الست نوال قالت:

— مش مهم دلوقتي.

وبصتلي:

— المهم إنك شفتي الحقيقة.

فتحت الشريحة بإيدها، وحطتها في جهاز قديم.

والشاشة اشتغلت.

وظهر فيديو.

أبويا.

قاعد قدام الكاميرا، وشه مرهق.

وقال:

— لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أنا فشلت. بس إنتِ لسه عندك فرصة تعيشي الحياة اللي أنا ما قدرتش أعيشها.

وسكت لحظة.

— اللي بيطاردكم مش ورث. ده مشروع كامل اسمه «الوريثة». وإنتِ كنتي الهدف من يوم ما اتولدتي.

دموعي نزلت غصب عني.

وكمل:

— بس في حاجة لازم تعرفيها. اللي فتح الباب مش حد غريب.

وسكت.

وبص مباشرة للكاميرا:

— اللي فتحه كان أقرب حد ليكي.

الفيديو قطع فجأة.

الصمت ضرب القبو.

وبصيت على سامح ببطء.

هو أول واحد قال:

— أنا لا.

لكن عينه كانت بتتهرب.

الست نوال قالت بهدوء:

— مش لازم يكون هو. ممكن يكون حد وثق فيه.

وفجأة ياسمين صرخت:

— في تسجيل تاني!

ضغطت زر في الجهاز.

وظهر مقطع صوتي.

صوت اجتماع.

وأول جملة خلتنا نتجمد:

— هنبدأ نقل المشروع لمروة عن طريق أقرب شخص ليها: زوجها.

الصدمة وقعت علينا كلنا.

سامح اتسند على الحيطة:

— أنا ما كنتش أعرف إنهم هيستخدموا الاسم بالشكل ده.

لكن مروة قربت منه ببطء.

وقالت بهدوء مخيف:

— إنت كنت عارف حاجات وسكت.

سكت.

وفي اللحظة دي الست نوال قالت:

— الاختيار دلوقتي ليكي يا مروة. يا تكملي حياتك وتنسي كل ده، يا تفتحي باقي الملفات وتعرفي كل حاجة حتى لو الحقيقة كسرتك للأبد.

بصيت حواليا.

سامح.

ياسمين.

الماضي كله.

وبعدين مسكت الجهاز.

وقلت:

— أنا مش ههرب من حقيقتي تاني.

وضغطت تشغيل.

والشاشة كتبت:

«الملف الأخير: بداية الوريثة الحقيقية.»

وفجأة النور كله انقطع.

وصوت واحد في الضلمة قال:

— بدأتِ تفتحي الباب اللي مفيش رجوع منه.

في الظلام التام، كان صوت الجهاز هو الحاجة الوحيدة اللي شغالة، وبعدها ظهر ضوء الشاشة تاني.

لكن المرة دي مفيش فيديو.

كان تسجيل صوتي قديم جدًا.

وصوت أبويا رجع تاني:

— لو الباب اتفتح، يبقى مروة وصلت للمرحلة الأخيرة.

سكت لحظة.

— المرحلة اللي لازم تختاري فيها: إما الحقيقة تفضل مخفية، أو تعيشي حياتك بصعوبة أكبر.

الصمت كان مرعب.

وفجأة النور رجع.

لكن القبو كان فاضي جزئيًا.

الست نوال اختفت.

رجالة الجهات المختصة كانوا بيجروا فوق.

سامح واقف في نص المكان، باصص لي كأنه مستني حكم.

ياسمين همست:

— كل ده مش طبيعي. إحنا في لعبة أكبر مننا.

أنا قربت من سامح.

وبصيت له طويل.

— قولي الحقيقة النهائية دلوقتي.

سامح خد نفس عميق:

— أنا دخلت حياتك لأن أبوكي هو اللي طلب مني أحميكي، بس بشرط واحد.

— إيه هو؟

سكت.

وبعدين قال:

— لو الخطر قرب، أختفي أنا قبل ما يقرب منك.

اتجمدت.

— يعني كنت عارف إنك ممكن تبقى خطر عليّا؟

هز رأسه:

— كنت عارف إنهم هيخلطوا الحقيقة بالكذب لحد ما تخافي مني أنا.

دموعي نزلت، بس المرة دي مش ضعف. فهم.

وبهدوء قلت:

— وإنت اخترت إيه؟

سكت لحظة طويلة.

وبعدين قال:

— اخترت إني أفضّل مكروه، بس إنتِ عايشة.

في اللحظة دي صوت خطوات رجعت تاني من فوق.

بس المرة دي مختلفة.

صوت واحد بس.

نوال رجعت.

لكن مش لوحدها.

كانت ماسكة ملف جديد.

وقالت:

— فيه قرار أخير. الجهات المختصة قررت تحميك، بس بشرط.

— إيه؟

— تختفي مروة وتبدأ حياة جديدة باسم تاني، لأن وجودك الحقيقي هو اللي بيشعل الخلاف.

سامح قال بسرعة:

— دي الطريقة الوحيدة عشان تعيشي.

ياسمين بصتلي:

— ولو فضلتِ هنا مش هيسيبك حد.

أنا بصيت للباب.

وللقبو.

وللملفات.

وبعدين رجعت بصيت لهم كلهم.

وقلت بهدوء:

— أنا مش هستخبى تاني.

وسكت لحظة.

— لو وجودي هو السبب، يبقى أنا اللي هقفل الباب ده بنفسي.

وفي اللحظة دي مسكت الشريحة، وكسرتها بإيدي.

وكل الملفات اتبعتت تلقائيًا للسيرفرات الرسمية اللي الجهات المختصة شغالة عليها.

نوال ابتسمت لأول مرة:

— كده انتهت اللعبة.

لكن قبل ما نطلع من القبو سامح مسك إيدي وقال بهدوء:

— لأول مرة مش هخبي حاجة تاني.

وبصلي:

— لو وافقتي نبدأ من الصفر من غير أسرار.

بصيت له.

وبعدين بصيت للضوء اللي جاي من فوق.

وطلعت معاه.

ووراينا القبو اتقفل للأبد.

ومروة لأول مرة اختارت حياتها بإيدها مش بإيد حد تاني.

لكن وهي خارجة موبايلها رن برسالة واحدة من رقم مجهول:

«اللي اتقفل تحت لسه مفتوح فوق.»

بس المرة دي هي ما خافتش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى