أخر الأخبار

ولاد الجيران

ولاد الجيران كانوا بينضفوا شارعنا كل يوم حد لحد ما شفت هما بيخبّوا إيه، والدم جمد في عروقي
بقالهم شهور، وأنا فاكرة إن الطفلين اللي ساكنين جنبي يمكن يكونوا أكتر طفلين مسؤولين في الشارع كله.
كل يوم حد الصبح، تقريبًا في نفس المعاد، كان الولد وأخته بيطلعوا من بيتهم وهما شايلين كيس زبالة أسود كبير بينهم.

يمشوا بالراحة على الرصيف، ويقفوا جنب صناديق البريد، ومداخل البيوت، والسياجات، وأحواض الزرع، ويلَمّوا أي زبالة مرمية في الطريق.
علب فاضية.
أغلفة حلويات.
زجاجات بلاستيك.
قصاصات ورق صغيرة.

ولا مرة سمعتهم بيشتكوا.
ولا مرة طلبوا فلوس من حد.
كانوا ببساطة بينضفوا الشارع ويرجعوا بيتهم في هدوء بعد ما يخلصوا.
بصراحة، كنت معجبة بيهم جدًا.
معظم الأطفال في سنهم كانوا يفضلوا يناموا لحد الضهر أو يفضلوا ماسكين الموبايل طول اليوم، لكن الاتنين دول كانوا باين عليهم فعلًا إنهم مصممين يخلو الشارع نضيف.

وفي يوم، قابلت أمهم وهي بتجيب الجواب من صندوق البريد، فقلت لها
إنتِ ربيتي ولادك تربية جميلة جدًا أكيد فخورة بيهم.
لسبب مش فاهمته وقتها، ملامحها اتغيرت فجأة.
ابتسمت ابتسامة متوترة وقالت
آه ربنا يخليهم.
وبعدين غيرت الموضوع بسرعة.
وقتها افتكرت إنها بس مكسوفة من المدح.
دلوقتي بتمنى لو كنت ركزت أكتر في رد فعلها.
الأحد اللي فات، الجو كان جميل جدًا، فقررت أقعد أشرب قهوتي على البلكونة.
بعد كام دقيقة، شفت الولدين بيظهروا في آخر الشارع، وشايلين كيس الزبالة الأسود المعتاد.
كل حاجة كانت طبيعية.
لمّوا علبة صودا فاضية جنب الرصيف.
جمعوا شوية أغلفة مرمية قدام بيت واحد من الجيران.
وقفوا شوية جنب سور نباتات مزروع.
وبعدين بدأوا يقربوا من بيتي.
ساعتها حاجة لفتت نظري.
الولد الصغير بدأ يبص وراه.

مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين مرة تالتة.
أخته تقدمت خطوة قدامه، ووقفت بينه وبين الشارع، كأنها بتحاول تتأكد إن محدش شايف هو بيعمل إيه.
أنا بطلت

أشرب القهوة.
الولد نزل على الأرض جنب الشجيرة الكبيرة اللي موجودة تحت شباك أوضة المعيشة بتاعتي.
زق شوية ورق شجر بإيده.
وبعدين مد إيده في جيب الجاكيت بتاعه.
لكن بدل ما يلم زبالة
حط حاجة تحت الشجيرة.
وبعناية شديدة.
أخته همست له بحاجة.
الولد وقف بسرعة.
والاتنين مشيوا بعيد عن المكان.
والأغرب من كده إنهم عدّوا جنب كذا قطعة زبالة حقيقية كانت مرمية قدام مدخل بيتي
وملمسوش أي واحدة منها.
فضلت قاعدة مكاني من غير ما أتحرك.
براقبهم.
وبستنى.
ولا واحد فيهم بص وراه غير لما وصلوا آخر الشارع واختفوا عند الناصية.
الحاجة اللي سابوها تحت شباك أوضتي كانت صغيرة.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة.
دي مش زبالة.
أول ما اختفوا، حطيت فنجان القهوة على الترابيزة ونزلت ناحية الشجيرة.
نزلت على ركبتي وزقيت ورق الشجر بعيد.
وفجأة صوابعي لمست حاجة ملفوفة في كيس بلاستيك شفاف.
سحبتها من مكانها.
وأول ما شفت اللي جواه
معدتي اتقلبت، والدم جمد في عروقي.
لأن ولاد الجيران ماكانوش بيقضوا كل يوم حد في تنظيف الشارع وبس.
كانوا بيعملوا حاجة تانية تمامًا وحاجة أنا ماكنتش مستعدة أكتشفها أبدًا.
حكايات_زيزي
رفعت الحاجة الملفوفة بإيدي وأنا حاسة إن صوابعي بتترعش.
في البداية، ماقدرتش أفهم هي إيه.
كانت قطعة قماش صغيرة، متسخة بالتراب، ومربوطة بخيط رفيع.
لكن تحت القماش كان فيه جسم صلب.
فتحت طرف الكيس بحذر شديد
ولما شفت اللي جواه، حسيت إن نفسي اتقطع.
كان مفتاحًا معدنيًا قديمًا.
مفتاح صغير، عليه علامة محفورة بشكل غريب.
لكن ده ماكانش أكتر حاجة خوفتني.
جنب المفتاح كان فيه ورقة مطوية أربع مرات.
فتحتها ببطء.
كانت مكتوبة بقلم رصاص، بخط طفل.
وفي أول سطر كان مكتوب
لو لقيتِ دي ماتدخليش البيت.
وقفت مكاني.
بصيت ناحية بيتي.
وبعدين بصيت ناحية بيت الجيران.
الشارع كان هادي بشكل مرعب.
حاولت أقنع نفسي إن الأطفال يمكن بيعملوا لعبة سخيفة، أو بيخفوا حاجات لبعض.
لكن قبل ما أطوي الورقة، لاحظت إن فيه سطر تاني مكتوب تحت التحذير.
قرأته مرة.
وبعدين مرة تانية.
وكان مكتوب
هو عارف إنك بتراقبينا.
اتجمدت.
رفعت عيني ناحية شباك بيتهم.
الستارة كانت مقفولة.
لكن كان واضح جدًا إن فيه ظل شخص واقف وراها.
حد كان بيراقبني.
رجعت خطوة لورا.
وفي نفس اللحظة
سمعت صوت باب بيتهم بيتفتح.
قلبي خبط في صدري.
حطيت الورقة والمفتاح بسرعة في جيبي، وقمت من جنب الشجيرة.
دخلت بيتي وقفلت الباب ورايا.
بعد ثواني، سمعت خطوات بتقرب من سور بيتي.
وبعدين سمعت صوت طفل.
كان صوت البنت.
قالت بصوت منخفض
قلت لك ماكانش لازم تسيبها هنا.
ورد عليها أخوها
ماكنتش عارف إنها هتلاقيها.
سكتوا لحظات.
ثم قالت البنت
دلوقتي هي عرفت.
جسمي كله اقشعر.
وبعدها سمعت صوت رجل بالغ من بعيد
عرفت إيه؟
سكت الطفلان تمامًا.
أنا قربت من الشباك من غير ما أعمل أي صوت.
ومن بين فتحة صغيرة في الستارة، شفت الرجل واقف قدامهما.
كان والدهم.
لكن الغريب
إنه كان ماسك نفس الكيس الأسود اللي كنت بشوف الولدين بيشيلوه كل يوم أحد.
فتح الكيس.
وأخرج منه شيئًا جعل الدم يهرب من وجهي.
كان فيه عشرات الأكياس الصغيرة الشفافة
وكل واحد منها كان عليه اسم مكتوب بخط واضح.
أسماء سكان الشارع.
واحد.
وراء التاني.
وبين الأسماء
شفت اسمي أنا.
وقبل ما أقدر أستوعب اللي شوفته، رفع الرجل رأسه فجأة ناحية شباكي.
وكأنه كان عارف بالضبط إني واقفة وراه.
ثم ابتسم.
وفي اللحظة دي
وصلتني رسالة على هاتفي من رقم مجهول.
فتحتها وأنا بالكاد قادرة أتنفس.
وكانت الرسالة عبارة عن خمس كلمات فقط
المفتاح اللي معاكي مش ليكي فضلت باصة للرسالة وأنا مش قادرة أستوعب.
المفتاح اللي معاكي مش ليكي.
مين بعت الرسالة؟
وإزاي عرف إن المفتاح معايا أصلًا؟
رفعت عيني ناحية الشباك مرة تانية.
الرجل اختفى.
والطفلين كمان.

الشارع رجع هادي كأن مفيش أي حاجة حصلت.
لكن أنا كنت متأكدة إن الهدوء ده مش طبيعي.
جريت على باب البيت وقفلت المزلاج.
وبعدين طلعت المفتاح من جيبي وحطيته على ترابيزة السفرة.
فضلت أبص له من بعيد.
كان مفتاحًا عاديًا تقريبًا، لكن العلامة المحفورة عليه كانت غريبة جدًا.
أخذت الورقة وفتحتها مرة أخرى.
في ظهرها كان فيه شيء ماخدتش بالي منه قبل كده.
رقم.
17
وتحته جملة صغيرة
اسألي عن البيت رقم 17.
حسيت بقشعريرة.
بصيت ناحية الشارع.
بيتنا كان رقم 15.
بيت الجيران كان رقم 16.
أما البيت رقم 17
فكان بيتًا مهجورًا من سنين، موجود في آخر الشارع.
صاحبه القديم اختفى فجأة، ومن وقتها محدش سكن فيه.
قلت لنفسي إن لازم أتصل بالشرطة.
لكن قبل ما ألمس موبايلي، سمعت صوت خبطة خفيفة على باب البيت.
خبطة واحدة.
وبعدين سكتة.
خبطة تانية.
وقفت مكاني.
ماقربتش من الباب.
وفجأة سمعت صوت الولد الصغير من الناحية التانية
لو سمحتي افتحي.
قلبي وجعني.
فتحت الباب بمقدار بسيط جدًا.
كان واقف لوحده.
وشه كان شاحب، وعينيه مليانة خوف.
بص وراه بسرعة، وبعدين قال
ماما قالتلي أقولك إنك ما تروحيش البيت رقم 17.
سألته
ليه؟
ما ردش.
بص على المفتاح اللي في إيدي.
وبص حواليه.
ثم قرب مني وهمس
لأن اللي بندفنه كل يوم حد مش زبالة.
اتسمرت مكاني.
قلت له
إنتوا بتدفنوا إيه؟
بدأ يرجع لورا.
لكن قبل ما يمشي، قال
إحنا مش اللي بنختار الأماكن.
أمال مين؟
رفع عينه ناحية بيتهم.
وقال
بابا.
وبمجرد ما قالها، سمعنا صوت عربية بتقف عند أول الشارع.
الولد اتخض جدًا.
وقال
اقفلي الباب!
قفلت الباب بسرعة.
ومن فتحة الستارة شفت عربية سوداء بتقف قدام البيت رقم 17.
نزل منها رجل غريب.
ماكانش والد الطفلين.
كان لابس جاكت أسود، ومسك في إيده ملف بني كبير.
وقف قدام البيت المهجور.
وبدل ما يدخل من الباب الرئيسي
اتجه مباشرة إلى الجانب الخلفي للبيت.
بعد ثواني، شفت والد الطفلين بيخرج من بيته.
اتجه ناحيته.
واتقابلوا عند سور البيت رقم 17.
فضلوا يتكلموا بصوت منخفض.
ثم فتح الرجل الغريب الملف.
وأخرج منه صورة.
رفعها قدام والد الطفلين.
والدي اتغيرت ملامحه فجأة.
حتى من بعيد قدرت أشوف الخوف في عينيه.
وبعدها
الرجل الغريب أشار ناحية بيتي.
نحوي أنا بالضبط.
والأغرب
إن والد الطفلين هز رأسه بالموافقة.
في اللحظة دي، رن هاتفي مرة
أخرى.
رقم مجهول.
المرة دي ماكانتش رسالة.
كان اتصالًا.
رديت وأنا بحبس أنفاسي.
ماحدش اتكلم.
سمعت فقط صوت نفس متقطع.
ثم جاءني صوت امرأة هامس
لو عايزة تعرفي الحقيقة افتحي البيت رقم 17 قبلهم.
وقبل ما ألحق أسألها مين هي
الخط اتقفل.
وبصيت من الشباك مرة تانية.
الرجل الغريب كان واقف في منتصف الشارع.
وبيبتسم ناحيتي.
كأنه كان عارف إني سمعت كل كلمة ماقدرتش أتحرك من مكاني.
فضلت واقفة ورا الستارة، أحاول أقنع نفسي إن الرجل الغريب مش بيبص عليّا أنا تحديدًا.
لكن عينيه كانت ثابتة على شباكي.

ثواني
وبعدين رفع إيده.
وأشار بإصبعه ناحية الباب.
باب بيتي.
تراجعت فورًا.
وقتها سمعت صوت خبط شديد على الباب الخارجي.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
وبعدين صوت والد الطفلين من الخارج
ممكن نتكلم؟
ما رديتش.
قال بصوت أهدى
أنا عارف إنك لقيتي المفتاح.
جسمي كله اتشد.
إزاي عرف؟
وقبل ما أقرر أفتح أو أتصل بالشرطة، سمعت صوت ابنه من آخر الشارع
بابا!
الرجل اتلفت بسرعة.
الولد كان واقف بعيد، وأخته ماسكة إيده.
قال الولد بصوت مرتجف
هي ما تعرفش حاجة.
الأب صرخ
ادخلوا البيت!
لكن البنت ما تحركتش.
بصت ناحيتي، وبعدين قالت
هي لازم تعرف.
والدها اندفع ناحيتهم.
في اللحظة دي، أنا أخدت قرارًا.
لو فضلت في البيت، هافضل مجرد شخص بيراقب من الشباك.
لكن لو رحت البيت رقم 17
يمكن أفهم كل اللي بيحصل.
لبست جاكيت بسرعة، وحطيت المفتاح والورقة في جيبي، وخرجت من الباب الخلفي.
مشيت من الناحية التانية للشارع عشان محدش يشوفني.
وصلت للبيت رقم 17.
كان شكله أسوأ مما توقعت.
باب خشبي قديم، شبابيك مكسورة، وسور مغطى بالنباتات.
طلعت المفتاح.
إيدي كانت بتترعش.
دخلته في القفل.
الغريب إنه دخل بسهولة.
لفيته
تك.
الباب اتفتح.
دخلت.
كانت رائحة المكان خانقة، كأن البيت مقفول من سنين.
لكن على الأرض كان فيه شيء غريب.
آثار أقدام حديثة.
كتيرة.
اتجهت ناحية ممر ضيق في آخر البيت.
مشيت ببطء.
وفجأة سمعت صوت حركة فوقي.
رفعت رأسي.
السلم.
حد كان نازل.
اختبأت بسرعة خلف باب غرفة مفتوح.
سمعت خطوات.
خطوة
خطوة
خطوة
ثم توقف الشخص أمام الغرفة اللي أنا مستخبية فيها.
حبست نفسي.
مقبض الباب اتحرك.
لكن قبل ما الباب يتفتح
سمعت صوت البنت الصغيرة من الخارج
هي جوه.
اتجمدت.
الصمت استمر ثانيتين.
ثم جاء صوت والدها
أنتِ بتعملي إيه هنا؟!
بعدها سمعت صوت الرجل الغريب
سيبها.
ثم صوت آخر، امرأة.
نفس الصوت اللي اتصل بيا.
قالت
خلاص الوقت انتهى.
فتحت عيني على آخرهما.
لأنني عرفت صوتها.
كانت أم الطفلين.
وفجأة اتفتح الباب.
لكنها لم تدخل.
وقفت أمامي وهي تبكي.
وقالت
أنا آسفة بس لازم تشوفي اللي تحت.
وأشارت إلى أرضية الغرفة.
رفعت سجادة قديمة كانت موجودة تحت قدمي.
وكان تحتها باب صغير مخفي.
أخرجت المفتاح من جيبي.
نظرت إليّ وقالت
ده المفتاح اللي كانوا مستنيينه من سنين.
نزلت عيني على الباب.
وقبل ما أحطه في القفل، سألتها
إيه اللي تحت؟
وشها شحب.
وقالت
الحقيقة اللي بسببها ولادي بينضفوا الشارع كل يوم أحد.
ثم أضافت بصوت مكسور
ولو فتحنا الباب مفيش رجوع فضلت باصة للباب الصغير وأنا مش عارفة أقرر.
لكن في النهاية، ركعت قدامه.
دخلت المفتاح في القفل.
أم الطفلين كانت واقفة ورايا، ووالدهم والرجل الغريب واقفين عند باب الغرفة.
لفيت المفتاح.
تك.
انفتح الباب.
طلعت ريحة تراب ورطوبة، ونزلنا سلم ضيق تحت الأرض.
كل درجة كنت بنزلها كانت بتخليني أحس إننا داخلين على سر أكبر مما كنت متخيلة.
وصلنا لقبو واسع.
وفي أول لحظة، ما شفتش غير رفوف خشبية.
وعشرات الصناديق.
كل صندوق عليه رقم.
15.
16.
17.
وبعدين أرقام باقي بيوت الشارع.
قربت من صندوق رقم 15.
ده رقم بيتي.
مديت إيدي ناحيته، لكن أم الطفلين أمسكت إيدي.
قالت
استني.
فتحت صندوقًا آخر.
كان عليه اسم شخص من سكان الشارع.
جواه صور.
صور قديمة للشارع.
صور للبيوت.
صور لأصحاب البيوت.
وصور لأطفال.
سألتها
إنتوا بتراقبوا الناس؟
هزت رأسها وهي بتبكي.
مش إحنا.
ثم أشارت إلى زوجها.
هو.
زوجها انفعل
اسكتي!
لكن الرجل الغريب تدخل لأول مرة وقال
خلاص يا سامح. هي عرفت.
سامح؟
بصيت لوالد الطفلين.
كنت عايشة جنبهم بقالى شهور، لكن دي كانت أول مرة أعرف اسمه.
ثم اقتربت من صندوق بيتي.
قالت الأم
افتحيه.
فتحته.
ولقيت بداخله ظرفًا بنيًا.
طلعته.
كان مكتوب عليه تاريخ قديم جدًا.
منذ سبعة عشر عامًا.
فتحته.
وفي داخله صورة لطفلة صغيرة.
فضلت أبص للصورة.
الطفلة كانت واقفة أمام البيت رقم 17.
وفي ظهر الصورة جملة واحدة
لا تسمحوا لها أن تعرف الحقيقة قبل عيد ميلادها الثلاثين.
رفعت رأسي ببطء.
قلت
مين دي؟
الأم بدأت تبكي.
الرجل الغريب قرب مني.
وقال
إنتِ.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
أنا؟

هز رأسه.
إنتِ اتولدتي هنا.
ضحكت من الصدمة.
مستحيل.
قال
أبوك وأمك الحقيقيين كانوا ساكنين في البيت رقم 17.
بصيت لأم الطفلين.
كانت منهارة.
ثم قالت
وأنا كنت شاهدة على اللي حصل.
سألتها
إيه اللي حصل؟
قبل ما ترد، سمعنا صوتًا قويًا فوقنا.
باب البيت اتقفل.
وبعده مباشرة
صوت خطوات نازلة على السلم.
الرجل الغريب رفع إصبعه على فمه.
حد جه.
الخطوات قربت.
خطوة
خطوة
خطوة
ثم توقف الشخص فوق الباب.
وفجأة سمعنا صوت رجل يقول
سامح أنا عارف إن المفتاح اتفتح.
والد الطفلين اتجمد.
أما أم الطفلين فمسكت إيدي بقوة وهمست
ده الشخص الوحيد اللي كنا بنحاول نهرب منه.
ثم جاء صوت المفتاح وهو بيدخل في باب القبو.
والأغرب
إن الصوت كان مألوفًا جدًا بالنسبة لي.
لدرجة إنني شعرت بقلبي بيقع من مكانه.
لأنني كنت أعرف صاحب الصوت.
كان الشخص اللي ربيته طول عمري على إنه أبي ما إن سمعت صوته حتى شعرت أن رجليّ لم تعودا تحملانني.
أبي.
الشخص الذي عشت معه ثلاثين سنة.
الشخص الذي كنت أظن أنه أكثر إنسان يعرفني في الدنيا.
كان واقفًا فوقنا.
لكن السؤال الذي كان يقتلني
إيه اللي جابه هنا؟
بصيت للرجل الغريب، فوجدته يشير لنا جميعًا أن نسكت.
مقبض باب القبو اتحرك.
مرة.
ثم مرة أخرى.
لكن الباب لم يفتح.
صوت أبي جاء من الخارج
أنا عارف إنك هنا.
كنت متأكدة أنه يقصدني.
ثم قال
لو فتحتي الباب يا بنتي هتعرفي حاجات كان لازم تفضلي جاهلاها.
اتنفض جسمي.
صرخت من مكاني
إنت عارف إني هنا؟
سكت.
ثم رد بهدوء غريب
أنا اللي خليت المفتاح يوصل لك.
الكل اتجمد.
بصيت للرجل الغريب.
وبعدين للأم.
وبعدين للطفلين.
ولا واحد فيهم كان مستوعب.
صرخت
ليه؟!
جاء صوته من خلف الباب
لأن الوقت خلص.
ثم ساد صمت طويل.
وأخيرًا، فتح الرجل الغريب الباب من الداخل.
دخل أبي.
لكن ملامحه كانت مختلفة.
لم أرَ الخوف في عينيه.
بل رأيت شيئًا أسوأ.
الاستسلام.
اقترب مني ببطء.
وقال
أنا مش أبوكي الحقيقي.
حسيت كأن أحدهم  على رأسي.
تراجعت للخلف.
إنت بتقول إيه؟
قال
أنا ربيتك لكني مش أبوكي.
أم الطفلين غطت وجهها بيديها.
أما والد الطفلين فكان ينظر للأرض.
صرخت
وأبويا الحقيقي فين؟
أبي القديم لم يجب.
الرجل الغريب هو الذي تكلم

.
سألت بصوت مكسور
إمتى؟
قال
من سبعة وعشرين سنة.
سكت لحظة، ثم أضاف
لكن موتُه مش هو السر.
اقترب من أحد الصناديق.
فتح صندوقًا لم أرَه من قبل.
كان بداخله جهاز تسجيل قديم.
ضغط على زر التشغيل.
في البداية سمعت تشويشًا.
ثم جاء صوت رجل.
صوت متعب، لكنه واضح.
قال
لو التسجيل ده وصل لبنتي يبقى أنا فشلت.
اتسعت عيناي.
اقتربت من الجهاز.
كان صوت أبي الحقيقي.
يا بنتي لو سمعتي الكلام ده، اعرفي إن أمك ما ماتتش.
توقفت أنفاسي.
بصيت للجميع.
ثم عاد الصوت
هي عايشة.
صرخت
فين؟!
لكن التسجيل استمر.
وهي أقرب شخص ليكي مما تتخيلي.
انقطع التسجيل فجأة.
رفعت رأسي.
نظرت إلى أم الطفلين.
كانت تبكي بشدة.
لكنها لم تكن تنظر إليّ.
كانت تنظر إلى ابنتها الصغيرة.
الطفلة كانت واقفة في زاوية القبو، ودموعها نازلة على خدها.
ثم قالت جملة واحدة جعلت الجميع يصمت
ماما كفاية كذب.
الأم رفعت عينيها نحوها.
والطفلة اقتربت مني ببطء.
ثم أخرجت من جيبها صورة قديمة.
وضعتها في يدي.
نظرت إليها.
وفي الصورة كانت هناك امرأة شابة تحمل طفلة رضيعة.
المرأة كانت أم الطفلين.
أما الطفلة التي بين ذراعيها
فكانت أنا.
وقبل ما أقدر أتكلم، قالت الطفلة
دي مش أول مرة ماما تنقذك.
هي بتنقذك من يوم ما كنتِ طفلة.
ثم نظرت ناحية والدها وقالت
بس المرة دي هو عرف مكانك.
في اللحظة نفسها، سمعنا صوت سيارة تتوقف خارج البيت.
الرجل الغريب نظر لأبي.
وأبي قال
وصلوا.
سألت وأنا مرعوبة
مين؟
فتح أبي صندوقًا أخيرًا.
وأخرج منه ملفًا أسود.
وضعه أمامي.
وقال
الناس اللي كانوا بيخلّوا ولاد الجيران ينضفوا الشارع كل يوم أحد عشان يخفوا آثار حاجة مدفونة تحت بيوتكم.
ثم نظر في عيني مباشرة
وإنتِ آخر واحدة فاضل تعرف الحقيقة.
وفجأة
جاء صوت
الصناديق، الأسرار
والسبب الحقيقي لتنظيف الأطفال للشارع كل أسبوع.
أبلغنا الشرطة بكل ما عرفناه، وتم القبض على الأشخاص المتورطين بعد العثور على الأدلة التي أخفاها أبي الحقيقي قبل سنوات.
أما والد الطفلين، فاعترف بكل شيء.
وكانت المفاجأة أن الرجل الغريب الذي ساعدنا كان محققًا تابع القضية من البداية، وكان يحاول حماية الأطفال وأمي في نفس الوقت.
بعد أسابيع، رجعت للشارع.
لأول مرة، لم يكن الأطفال يحملون كيسًا أسود.
كانوا يحملون أكياسًا عادية لجمع القمامة.
اقترب مني الولد وقال بابتسامة
خلاص بقينا بننضف الشارع بجد.
ضحكت لأول مرة منذ شهور.
ثم نظرت إلى أخته.
قالت لي
بس في حاجة لسه ماقلناهاش.
سألتها
إيه؟
أشارت إلى الشجيرة الموجودة أمام بيتي.
إحنا لقينا حاجة تانية هناك.
اتجمدت.
إيه؟
ابتسمت وقالت
علبة قديمة.
ذهبت معها.
حفرنا تحت الشجيرة.
وفعلًا، وجدنا صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحته.
كان بداخله خطاب واحد.
مكتوب بخط أبي الحقيقي.
فتحت الخطاب، وقرأت
لو وصلتي لحد هنا، يبقى أخيرًا بقيتي بأمان.
وتحتها
بس أهم حاجة تعرفيها إن أمك ما كانتش الوحيدة اللي حاولت تحميكي.
وفي آخر السطر كان هناك اسم.
اسم شخص لم أسمعه طوال حياتي.
أخوك الحقيقي.
رفعت رأسي ناحية أمي.
كانت واقفة بعيدًا، ووجهها تحول إلى شحوب كامل.
قلت
ماما مين أخويا؟
نظرت إليّ لثوانٍ.
ثم قالت بصوت مرتجف
أنا كنت أتمنى ما تعرفيش.
وأشارت ناحية الرجل الذي كان يقف خلفها.
عندما التفتُّ إليه
عرفت وجهه فورًا.
لأنه كان الرجل الذي أنقذني في تلك الليلة.
الرجل الذي ظل طوال القصة يقول إنه مجرد محقق.
لكن الحقيقة
أنه كان أخي الذي ظن الجميع أنه  منذ سبعة وعشرين عامًا.
ومن يومها، فهمت أن ولاد الجيران لم يكونوا ينظفون الشارع لإخفاء جريمة
كانوا، من غير ما يعرفوا، ينظفون الطريق حتى أصل إلى الحقيقة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى