قبل رحيله بساعات

وحين رأيت من كان ينتظرني هناك… صرخت كانت امرأة مسنّة، في أواخر الستينيات من عمرها، ينسدل شعرها الفضي حول وجهها وقد اتسعت عيناها ما إن وقعتا عليّ. لكن ما جعلني أصرخ كان وجهها. كان نصف وجهها مشوّهًا بالكامل. امتدت ندبة غائرة من أعلى جبهتها، مرورًا بجانب عينها ووجنتها، حتى اختفت عند فكها، بينما ظل النصف الآخر من وجهها سليمًا وكأن مأساتين مختلفتين اجتمعتا في وجه واحد.
حدقت فيها للحظات، عاجزة عن تحريك قدميّ، بينما رفعت المرأة يدها ببطء لتغطي جانب وجهها المشوّه.
لكن الغريب لم يكن أنها بدت مصدومة لرؤيتي ولا من صراخي…
بل أنها قالت اسمي.
سلمى…
تراجعت خطوة إلى الخلف.
كيف تعرفين اسمي؟
ظلت تحدق في وجهي وكأنها تحاول أن تتأكد من شيء كانت تخشاه منذ سنوات، ثم رفعت يدها إلى فمها وهمست:
يا إلهي… لقد كبرتِ.
شعرت بقشعريرة تسري في ذراعي.
من أنتِ؟
نظرت إلى الشارع خلفي، ثم عادت بعينيها إليّ وكأنها تتأكد من أنني جئت وحدي.
أنا نوال… صديقة فؤاد.
توقفت أنفاسي.
فؤاد أرسَلني إليكِ؟
لم تجب مباشرة.
تنحت جانبًا وفتحت الباب أكثر.
ادخلي.
لم أتحرك.
أريد أن أعرف لماذا أرسلني أبي إلى هنا.
ارتجفت شفتاها عند كلمة أبي.
ثم قالت:
كان يريد أن يخبرك بنفسه، لكنه لم يستطع… كلما حاول أن يفتح هذا الباب، تراجع. وفي النهاية، بعدما أدرك أن الموت لن يمهله، طلب مني أن أحكي لك ما عجز هو عن قوله.
دخلت.
أغلقت نوال الباب خلفي، ثم قادتني إلى غرفة جلوس صغيرة دافئة، كانت رائحة القرفة والشاي تعبق فيها وعلى الجدران صور قديمة داخل إطارات خشبية.
جلست، لكنها ظلت واقفة أمامي.
قلت:
أنت تعرفين فؤاد منذ متى؟
منذ كنتما طفلين تقريبًا.
ولماذا لم أسمع باسمك طوال حياتي؟
خفضت عينيها.
لأن فؤاد لم يكن يريدك أن تسمعيه.
ازدادت حيرتي.
ماذا يعني ذلك؟
جلست قبالتي وشبكت يديها فوق ركبتيها.
قال لي إنك ستأتين يومًا وإنه إذا حدث ذلك، فعليّ أن أخبرك بكل شيء.
كل شيء عن ماذا؟
ساد الصمت.
ثم قالت:
عن ابنته.
شعرت بأن قلبي توقف للحظة.
أي ابنة؟
نظرت إليّ طويلًا.
الابنة التي كانت قبلك.
لم أفهم.
لم تكن له ابنة قبلي.
قالت بهدوء:
بلى.
ثم نهضت واتجهت نحو خزانة قديمة في زاوية الغرفة وفتحت أحد أدراجها.
أخرجت منه صندوقًا خشبيًا صغيرًا ووضعته أمامي.
فتحته.
وفي داخله كانت هناك أشياء بسيطة؛ شريط شعر صغير، دمية قماشية باهتة، صور قديمة وقطعة معدنية صغيرة.
ثم أخرجت شيئًا جعل أنفاسي تتوقف.
قالبًا معدنيًا على شكل نجمة.
حدقت فيه.
كان مطابقًا تقريبًا للقالب الذي احتفظت به في مطبخي طوال سنوات.
قلت دون وعي:
من أين حصلتِ عليه؟
نظرت نوال إلى القالب.
كان لابنة فؤاد.
رفعت عيني إليها.
ما اسمها؟
قالت:
مريم.
شعرت بشيء ينقبض في صدري.
فتحت نوال إحدى الصور.
كان فؤاد فيها أصغر بعشرات السنين، يقف إلى جوار امرأة لم أعرفها ويحمل طفلة صغيرة بين ذراعيه.
كانت الطفلة تضحك وفي يدها قطعة من فطيرة على شكل نجمة.
لم أستطع إبعاد عيني عن الصورة.
هذه مريم؟
أومأت.
كانت في الخامسة حين ماتت.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
ماتت كيف؟
تنهدت نوال.
.
ثم أضافت بعد لحظة:
كان فؤاد معها يومها.
رفعت عيني إليها.
هل كان السبب؟
هزت رأسها بسرعة.
لا. لكنه أقنع نفسه بذلك.
وضعت الصورة على الطاولة.
كانت الأسرة في نزهة قرب البحيرة وحدث كل شيء في لحظات. لم يستطع إنقاذها.
ابتلعت ريقي.
ولهذا لم يخبرني عنها؟
بعد موتها، انهار فؤاد تمامًا. انتهى زواجه الأول وأغلق كل ما يخص مريم في صندوق ورفض الحديث عنها حتى مع أقرب الناس إليه.
نظرت مرة أخرى إلى قالب النجمة.
وفجأة عادت إلى ذاكرتي عشرات الصباحات التي قضيتها مع فؤاد في المطبخ.
رائحة التفاح والقرفة.
صوت المقلاة.
ابتسامته حين كان يضع أمامي الفطيرة التي تأخذ شكل نجمة.
قلت بصوت خافت:
الفطائر…
رفعت نوال عينيها إليّ.
كانت فطائر مريم المفضلة.
لم أستطع الكلام.
طوال حياتي كنت أظن أن فؤاد صنع تلك العادة من أجلي.
كنت أظن أن شكل النجمة كان تفصيلًا صغيرًا اخترعه لي وأن فطائر التفاح كانت واحدة من الذكريات التي صنعناها معًا.
لكنها لم تكن كذلك.
كانت ذكرى فتاة أخرى.
فتاة أحبها أبي قبلي.
شعرت بوخزة غريبة في صدري، خليطًا من الحزن والغيرة والذنب.
وكأنني أغار من طفلة ماتت قبل أن أعرف بوجودها.
لاحظت نوال ما يدور في وجهي، فقالت:
لا تنظري إلى الأمر بهذه الطريقة.
كيف أنظر إليه إذن؟
قالت:
فؤاد لم يحبك بدلًا منها.
سكتت لحظة.
ولم يجعلك تحلين مكانها.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
أنتِ كنتِ السبب الذي جعله يكتشف أنه يستطيع أن يتذكر مريم دون أن من الألم.
نظرت إليها.
كيف؟
قالت:
بعد زواجه من أمك بفترة قصيرة، طلبتِ منه ذات صباح أن يصنع لك فطائر على شكل نجوم. لم يكن يتوقع أنك ستطلبين ذلك، لكنه دخل المطبخ وأخرج القالب القديم.
وضعت يدها على الصورة.
في ذلك اليوم، اتصل بي فؤاد وهو يبكي. قال إنه صنع فطائر النجوم للمرة الأولى منذ موت مريم.
سكتت قليلًا.
لكنه قال شيئًا آخر.
ماذا؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
قال إنه للمرة الأولى فهم أن تذكر مريم لا يعني أنه ممنوع من أن يحب طفلة أخرى.
نظرت إلى الصورة.
ثم تخيلت فؤاد في مطبخنا القديم وأنا طفلة صغيرة أراقبه وهو يسكب العجين في القالب نفسه.
وفجأة لم تعد ذكرياتي تبدو كما كانت.
كل ذكرى أصبحت تحمل ظل طفلة لم أعرفها قط.
قلت:
إذا كان هذا هو السر… فلماذا قال إنه كذب عليّ طوال حياتي؟
تغير وجه نوال.
هذه المرة لم تجب فورًا.
وضعت الصورة أمامها، ثم قالت:
لأن هذا ليس كل شيء.
شعرت بأن قلبي هبط إلى قدمي.
ماذا بقي؟
رفعت عينيها إليّ.
هناك شيء لم يخبرك به فؤاد عن الليلة التي فيها أمك.
تجمدت.
ماذا؟
قالت:
في تلك الليلة… كان فؤاد ينوي الرحيل.
لم أفهم.
الرحيل إلى أين؟
قالت نوال:
بعيدًا عنكِ.
شعرت كأن أحدهم صفعني.
لا.
سلمى…
لا. فؤاد لم يكن ليفعل ذلك.
لكنه فكر فيه.
هززت رأسي بعنف.
هو وعدني أنه لن يتركني.
وأوفى بوعده.
لكنّك قلتِ إنه كان ينوي الرحيل.
أومأت.
لعدة ساعات، نعم.
ثم بدأت تحكي.
بعد وفاة أمي، امتلأ البيت بالأقارب وكل واحد منهم كان يملك رأيًا في مستقبلي.
قالوا لفؤاد إنه ليس أبي الحقيقي وإن من الأفضل أن أتولى أنا وعائلتي تربيتي وإنه ما زال شابًا وسيكون من الظلم أن يقضي حياته في تربية طفلة ليست ابنته.
وفي تلك الليلة، صدّق فؤاد كلامهم.
حزم بعض أغراضه.
وضع حقيبته في السيارة.
وأمسك مفاتيحه.
كان يعتقد أنه إذا رحل مبكرًا، فسيكون أرحم بي من أن يبقى ثم يندم يومًا.
قلت بصوت مختنق:
ذهب إلى أين؟
جاء إليّ.








