
ثم تذكر ضحكات أخته علياء، وتذكر آخر مرة رآها فيها قبل اختفائها، عندما كانت تخبره أنها تشعر بأن هناك شيئًا غريبًا يحدث حولها.
عاد الحارس للحفر بجنون، وكلما أزاح طبقة من التراب كان قلبه يخفق أكثر.
الزوجة كانت واقفة خلفه، تراقبه بقلق، حتى ظهر طرف قطعة قماش بيضاء.
توقف الحارس للحظة، ثم مد يده وأخرجها.
كانت قطعة من نفس نوع القماش الذي كُتب عليه زوجها رسالته.
نظر إليها، ثم بدأ يحفر أسرع.
وبعد دقائق ظهرت ملامح صندوق خشبي صغير تحت التراب.
الزوجة، وتراجعت للخلف.
أما الحارس فجلس أمامه غير قادر على الكلام.
قال بصوت :
ـ دي… دي مش جثة عادية.
نظر إلى المرأة وسألها:
ـ زوجك كان بيخبي إيه هنا؟
هزت رأسها وهي تبكي:
ـ والله ما أعرف… أنا عمري ما جيت المكان ده معاه.
فتح الحارس الصندوق بحذر، فوجد بداخله متعلقات نسائية بسيطة، ووشاحًا تعرف عليه فورًا.
أمسكه بين يديه، وانهارت دموعه.
ـ ده وشاح علياء… أنا اللي جبتهولها يوم عيد ميلادها.
وضعت الزوجة يدها على فمها، وبدأت تفهم أن الأمر أكبر بكثير مما تخيلت.
واصل الحارس البحث حتى وجد ورقة قديمة مطوية بعناية.
فتحها، وكانت مكتوبة بخط الزوج.
قرأ بصوت مرتجف:
ـ “يا علياء، لو حصل لي شيء، سامحيني. لم أكن أملك الشجاعة لأواجههم، لكنني لم أستطع أن أتركك وحدك.”
تجمدت الزوجة في مكانها.
ـ يعني إيه “أواجههم”؟
لم يجبها الحارس.
كان ينظر إلى الورقة وكأنه يحاول ترتيب كل شيء في عقله.
ثم قال:
ـ أختي لم تختفِ من تلقاء نفسها… زوجك كان يعرف مكانها.
في تلك اللحظة، تذكرت الزوجة كل التفاصيل التي كانت تعتبرها عادية.
تذكرت مرض زوجها المفاجئ.
وخروجه المتكرر إلى البستان.
وإصراره على ألا ترافقه.
وتذكرت أنه قبل وفاته بأيام كان ينظر إليها طويلًا، وكأنه يريد أن يخبرها بشيء لكنه يتراجع.
قالت وهي ترتجف:
ـ أنا… أنا كنت فاكرة إنه بيبعد عني عشان مرضه.
رد الحارس:
ـ يمكن كان بيحاول يحميك.
ثم وجد الحارس شيئًا آخر تحت الصندوق.
مفتاحًا صغيرًا، ومعه ورقة كتب عليها عنوان مكان داخل المدينة.
نظر إلى زوجة المتوفى وقال:
ـ لازم نروح هناك.
ـ ليه؟
ـ لأن لو كنت فاهم الرسالة صح… الحقيقة كلها موجودة هناك.
عادا إلى المدينة مع أول ضوء للصباح.
وقبل أن يصلا إلى المكان، توقف الحارس فجأة.
تذكر الجثة التي تركاها في المقبرة.
ـ لازم نرجع الأول.
عادا مسرعين، لكن المفاجأة كانت في انتظارهما.
وجد الحارس المكان خاليًا.
الجثة التي وضعها مكان الجثة المفقودة اختفت هي الأخرى.
نظر إلى الزوجة بدهشة:
ـ إزاي ده حصل؟
قالت بخوف:
ـ يمكن حد شافنا.
لكن قبل أن يكمل كلامه، ظهر رجل مسن من بعيد.
اقترب منهما وقال:
ـ أنت بتدور على علياء؟
تجمد الحارس.
ـ إنت تعرفها؟
هز الرجل رأسه وقال:
ـ أعرفها… وأعرف زوج أختك.
ثم أضاف:
ـ وأعرف الحقيقة اللي حاول يخبيها عنك سنين.
جلس الحارس وكأنه فقد القدرة على الوقوف.
قال الرجل:
ـ علياء كانت عايشة في البستان بالفعل، لكن زوج أختك ما كانش هو اللي أذاها.
الزوجة رفعت رأسها بسرعة:
ـ أمال مين؟
نظر الرجل حوله بحذر، ثم قال:
ـ الشخص اللي كان بيهدد زوجك… هو السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
الحارس:
ـ مين؟
الرجل:
ـ أخوك الأكبر.
ساد الصمت.
الحارس لم يصدق ما سمعه.
ـ مستحيل… أخويا مات من سنين!
الرجل هز رأسه:
ـ اللي مات مش أخوك… دي كانت كذبة.
في تلك اللحظة، سقطت الورقة من يد الحارس.
وبدأ يفهم لماذا كتب زوج أخته الرسالة على كفنه.
لم يكن يريد أن يترك سرًا…
بل كان يريد أن يقودهم إلى الحقيقة.
والأخطر من ذلك كله، أن الرجل الذي ظنوا أنه مات منذ سنوات…
كان لا يزال حيًا، ويراقبهم من مكان قريب.
**لكن المفاجأة الأكبر كانت أن علياء نفسها لم تكن في عداد المفقودين…**
فقد كانت تنتظرهم في مكان لم ببال أحد.
**يتبع…**




