روايات وقصص
أخر الأخبار

مرات ابنى الوسطاني كانت بتنزل كل يوم تخدمنى من تانى يوم جواز

مرات ابني الوسطاني كانت بتنزل كل يوم تخدمني من تاني يوم جواز. كنت دايماً أشوفها قليلة وأحاول أبعد ابني عنها، حتى سلايفها كنت أبعدهم عنها وأخليهم يكرهوها وما يتعاملوش معاها. كانت كل ما تحاول تقرب من واحدة منهم يكسفوها عشان ما يزعلونيش.

لما سلفتها الصغيرة ولدت، طلعتلها ومسحتلها الشقة، وكانت شبه العاملة عندها: تعملها الأكل وتشيلها بنتها عشان تنام، وتصحى تلاقي الأكل معمول والشقة رايقة. حتى أهلها لما جم، هي اللي كانت بتخدمهم. كانت بتحاول تقرب منها عشان ما تبقاش منبوذة وسطينا.

ولما سلفتها الكبيرة عملت الزايدة، سابت ولادها لأمها وراحت قعدت معاها في المستشفى تخدمها، وقبل ما تروح من المستشفى طلعت مسحتلها الشقة وغسلتلها السجاجيد وعملتلها أكل أسبوع كامل، يمكن ترضى عنها وتتعامل معاها. بس كلامي ليهم إنها أقل منهم خلاهم يشوفوا إن اللي بتعمله ده واجب عليها وفرض، وبقوا يطلبوا منها تطلع تنضفلهم وتمسحلهم الشقة.

حتى ولادها بقوا يتعاملوا أسوأ معاملة، وأولاد أعمامهم مكنوش يحبوا يلعبوا معاهم. لحد ما في يوم حفيدي الكبير قال لابنها: “انت فاكر نفسك ايه؟ امك دي عاملة عندنا، وانت المفروض تقلد امك وتشيلنا الشنط واحنا رايحين المدرسة. انت هتعمل راسك براسنا ولا ايه؟”

ساعتها الواد جه يبكي ودموعه على خده، يجري على أمه ويقولها: “يا ماما هو أنتِ شغالة عندهم؟ هو أنا مش زي ولاد عمي؟” هي خدته في حضنها وقعدت تطبطب عليه وهي ساكتة ومقهورة، ولا ردت ولا فتحت بقها بكلمة، بس الدموع كانت نازلة من عينها من غير صوت.

بدل ما أحس بالذنب، طلعت ساعتها وشرشحتلها وقولتلها: “ابنك بيتبلى على ابن عمه، وأنتِ اللي مطلعاه عيل نكدي زي أهله!” ردت عليا بصوت وطي خالص وقالتلي: “ربنا يجيبلي حقي يا حجة، أنا ما قصرتش مع حد فيكم.” ونزلت خدت عيالها وقفلت على نفسها شقتها.

نزلت سلفتها الكبيرة، وخبطت على الباب بخبطات متتالية وقوية، وفتحت الباب بنفسها ودخلت من غير ما تستنى حد يفتح، ووقفت في نص الصالة ووشها مكشر وبتقول بغل: “إيه يا هانم؟ ابنك نازل يتخانق مع ابني ليه؟ أنتِ نسيتِ نفسكِ ولا إيه؟ المفروض تعلميه يسمع كلام ابني ويمشي تحت أمره، عشان أحن عليه وأرضى أخلي ابني يكلمه ويلعب معاه، بدل ما هو معزول ومحدش عبره ولا بيلعب معاه في البيت ده!”

كانت مرات ابني الوسطاني صفا قاعدة على الأرض لسة حاضنة ابنها وبتتمسح دموعه، رفعت عينها بكسرة ونظرة مطفية، والواد الصغير استخبى في ظهر أمه وهو بيرتعش.

بس المرة دي مرات ابني ما سكتتش زي كل مرة.. وقفت على حيلها بالراحة، ومسحت دموعها بأطراف شالها، وبصت لسلفتها بثبات غريب وقالتلها بصوت هادي بس يقطع: “ابني مش هيشيل شنطة حد، ولا هيوطي راسه لحد.. أنا اللي هانت نفسي عشان أشتري مودتكم، لكن ابن كرامته من كرامة أبوه، ومش هسمحلك ولا لأي حد يكسره زي ما كسرتوني. اتفضلي اطلعي برة أنا مش عايزة أتكلم مع حد.”

صرخت الكبيرة بصوت عالي: “أنتِ بتطرديني؟ أنتِ نسيتِ نفسكِ ومين اللي لمكِ في البيت ده؟ والله لأعرف جوزي ولأخلي الحجة تتصرف معاكِ!” وخرجت ودبت الباب وراها بكل قوتها.

الواد الصغير بص لأمه ودموعه نشفت على خده وقال بصوت يترعش: “يا ماما.. هو بابا هيزعل منكِ عشان طردتيها؟” أمه وطت عليه وقعدت قدامه، ولأول مرة تحضنه وهي مبتسمة رغم الألم وقالتله: “أبوك لو عارف الحق مش هيزعل، وحتى لو الدنيا كلها زعلت.. المهم أنت ترفع راسك وما تخافش من حد تاني أبداً.”

نزلت هدير مرات ابني الكبير عندي الشقة وهي بتنهد ووشها أحمر من الغيظ، وقالتلي بصوت مطعون في كبريائه: “شفتي يا حجة؟ الست صفا طردتني من شقتها وعلّت صوتها عليا! بقى حتة العاملة دي تطردني أنا؟!”

أول ما سمعت كلامها، الدم جرى في عروقي والشيطان عماني، وما شفتش قدامي. طلعت على السلم زي المجنونة وهي ورايا، وصرت أخبط على باب شقتها بغل وكأني هكسره.

جوه الشقة، صفا سمعت الخبط المرعب ده، بصلت لابنها بلفتة سريعة ومسكت إيده ودخلته أوضته وقالتله بأمر: “ادخل جوة واقفل على نفسك الباب، وما تطلعش مهما سمعت أو حصل.. سامع يا بني؟”

رجعت صفا وفتحت الباب ببطء، ولسة بتفتح بقها عشان تتكلم، ما اديتهاش أي فرصة ولا سمحت لها تنطق بحرف. رفعت إيدي وتعاملت معاها بقسوة، وأنا بأصرخ فيها وأوجه لها كلامًا قاسيًا: “أنتِ تتطردي ستك وتاج راسك يا قليلة الأصل؟ أنتِ افتكرتِ نفسكِ بني آدمة ولِيكي كلمة هنا؟ والله لأوضحلك حدودك!”

صفا كانت تتحمل الموقف وهي حاطة إيديها على رأسها عشان تحمي وشها، من غير ما تصرخ ولا تمد إيدها عليا، بس كانت ساكتة سكوت يخوف، وسلفتها هدير واقفة ورايا على السلم شمتانة وبتبص لها بنصر وزهو.

وفي وسط الهيصة دي، دخلت سلفتها الصغيرة هي كمان على الصوت، وهدير حكتلها بسرعة وهي بتضحك وبتشمّت في اللي بيحصل. وقفت الصغيرات تتريق على صفا وعلى شكلها وهدومها وهي مرمية على الأرض تحمي نفسها، وقربت منها بغل ورخمت عليها أكتر لما رفعت رجليها ووقفت بكل قسوة على إيد صفا المفرودة على الأرض.

وضغطت برجليها جامد وهي بتبصلها باحتقار وتقولها: “أنتِ نسيتِ إنك بتخدمي عندنا ولا إيه؟ أنتِ نسيتِ عيلتكِ مين وأحنا عيلتنا مين؟ فاكرة نفسك بقيتي واحدة مننا لمجرد إننا سكتنالك؟”

صفا كتمت صرخة الألم وصزت على سنانها من ألم رجليها اللي بتعصر إيدها، والدموع مالية عينيها من الظلم والإهانة، وهي سامعة ضحكهم وتريقهم فوق رأسها، وأنا واقفة متفرجة وبشجعهم على هوانها.

وفي اللحظة دي بالذات، انبدل الهدوء كله لصوت خطوات ابني الوسطاني وهو طالع على السلم يجرى على صوت الصويت، وأول ما عينه جت على المنظر ومراته تحت رجلينا، اتسمر مكانه والشنطة وقعت من إيده.

بص لمراته المرمية على الأرض ورجل سلفتها الصغيرة فوق إيد مراته، وبصلي وأنا واقفة بنهج من الضغط، وبص لهدير اللي واقفة ورايا حاطة إيدها في جنبها. فرك وشه بذهول وقال بصوت يرتعش من الصدمة: “في إيه؟! إيه اللي بيحصل هنا؟! إيه المنظر ده يا أمي؟!”

قبل ما حد ينطق أو صفا تفتح بقها، نطيت أنا بسرعة وأنا باخد نفسي وبشاور عليها بصابعي بغل: “تعالى شوف الست بتاعتك! تعالى شوف الهانم اللي أنت جيبها من برة وبتقول عليها مراتك! بقى دي تطرد سلايفها من شقتها؟ طلعت فوق وشتمت هدير وطردتها بقلة أدب وقالتلها مالكيش قعدة عندي! نازلين بنربيها ونعرفها الأصول قامت طولت لسانها عليا أنا كمان وعلت صوتها في وشي، وكأن البيت ده مالوش كبير ولا لينا كلمة عليها!”

، قامت طردتني ونسيت أصلها وقالتلي اتفضلي برة! بقى دي تصونك وتصون أهلك؟!”

ابني الوسطاني كان واقف بيسمع والكلام ينزل عليه زي المية الساقطة، عينه تنقل بيني وبين هدير، وبعدين نزل تاني على صفا مراته اللي كانت لسة قاعدة على الأرض، حاطة إيدها الموجوعة على قلبها، ودموعها نازلة في صمت من غير ما تدافع عن نفسها ولا بكلمة واحدة.

قرب ياسر من مراته بالراحة، ونزل على ركبه جنبها على الأرض. مسك إيدها اللي كانت متأثرة، وبص في عينيها بصوت مكسور وخايف وسألها: “صفا.. ايه اللي حصل يا صفا؟ اتكلمي وقوليلي الحقيقة.”

أول ما شفت منظره نزلها كده، اتنطزت وصړخت فيه بغضب: “جرى ايه يا ياسر؟! أنت هتكدب أمك وسلايف إخواتك وتصدق ال…”

بس قبل ما أكمل كلامي، رفع ياسر إيده في وشي وهو بيبصلي بنظرة عمره ما بصها لي قبل كده، وقال بصوت حاد يرج المكان: “بس يا أمي! بعد إذنك محدش يتكلم ولا ينطق بنص كلمة.. أنا بكلم مراتي وبتعلم منها هي!”

البيت كله سكت، وهدير والصغيرة اتخرسوا من الصدمة. صفا رفعت عينها المليانة دموع وجسمها كله بيرتعش، وبصت في عين ياسر وقالت بصوت بحاح ومخنوع: “ابنك جه جرى وهو بيبكي ومقهور يا ياسر.. ابن عمة قالوا أُمك شغالة عندنا وأنت المفروض تشيلنا الشنط وإحنا رايحين المدرسة. ولما خرجت عاتبته، خرجتلي أمك وشرشحتلي وقالتلي ابنك نكدي زي أهله وأنتوا بتتبلوا علينا. نزلت قفلت عليّ بابي، طلعتلي هدير تتهمني إن ابني بيتخانق مع ابنها، وبتقولي علميه يسمع كلام ابني ويمشي تحت أمره عشان أحن عليه وأخليه يلعب معاه. ولما قولت لها ابني مش هيشيل شنطة حد وطردتها بالذوق، نزلت لأمك وشحنتها.. طلعت أمك اعتدت عليّ، وسلفتك الصغيرة ضغطت برجلها على إيدي وقالتلي أنتِ عاملة وعيلتك أقل من عيلتنا.. إهانات سنين استحملتها عشان خاطر أشتري ودكم، بس لحد كرامة عيالي وكرامتك يا ياسر.. أنا خلاص جبت اخرى.”

ياسر كان بيسمع الكلام، وعروق رقبة ووشه بينفخوا والدم محپوس في وشه، ونظرة عينيه كانت بتقول إن اللي جاي مش هيعدي على خير أبداً.

فضل ياسر باصص لصفا، وبعدها وقف على حيل بطوله وهو بيتنفس بصعوبة من شدة الغضب. لف وشّه لينا، وعينيه كانت بتطلع شرار، وبصلي وبص لهدير وسلفتها الصغيرة وقال بصوت يرّج العمارة كلها:

“صفا مش أقل من أي حد فيكم.. بالعكس، صفا أعلى منكم كلكم وأنتم اللي قليلين أوي قدامها! صفا أعلى منكم في الأخلاق والأصل، مؤهلها أعلى منكم كلكم، وأنتم عارفين ده كويس ومحروقين منه! أنتم بتعملوا معاها كل ده عشان عندكم عقدة نقص من ناحيتها! شايفينها نظيفة من جوة وأصلها طيب، وعارفين إنها أحسن منكم في كل حاجة، فكنتم بتستقووا عليها عشان تداروا على نقصكم وشعوركم بالدونية قدامها!”

بص لهدير وللصغيرة وقالهم بكل قسوة وغل: “الست اللي كنتم بتستغلوها وتطلع تمسحلكم وتخدمكم وهي عيانة، كانت بتعمل كده بأصلها ونظافة قلبها، مش لأنها عاملة عندكم! لكن النقص اللي فيكم خليتكم تشكوا إن ده فرض عليها! أنتم اللي أخلاقكم باينة، وبدل ما تتكسفوا من نفسكم وتصونوها، اتجمعتوا عليها عشان تكسروها!”

وبصلي أنا، وأول مرة أشوف في عينيه الألم ده وهو بيكلمني: “وأنتِ يا أمي.. بدل ما تكوني الكبيرة اللي بتعدل وتتقي ربنا في بنت الناس اللي دخلت بيتك، كنتِ أول واحدة تظلميها وتملي قلوبهم غل ضدها! صفا اللي كنتِ بتقللي منها هي الوحيدة اللي كانت بتشيلك وتخدمك بجد وبضمير، وأنتم كلكم على بعضكم ما تجوش نقطة في بحر أخلاقها ولا تربيتها!”

اتسمرنا كلنا مكاننا، هدير والصغيرة وشهم جاب ألوان وما قدرتش واحدة فيهم تفتح بقها بنص كلمة من هول الكلام والصدمة، وأنا واقفة مكاني مش قادرة أرد ولا أرفع عيني في عينه.

مسك ياسر إيد مراته صفا، وطبطب عليها وهو بيقومها من على الأرض، ونزل جاب عياله من الأوضة ومسك إيديهم، وقال بصوت حاسم ينهي كل حاجة: “البيت ده باللي فيه ماليش قعدة فيه تاني خلاص.. ويا صفا، كرامتك وكرامة عيالك فوق راسي، وحقك وحق عيالك هيرجعلك غصباً عن عين أي حد هنا.”

بص ياسر لينا كلنا، وعينيه بتطق شرار والغل ملا قلبه، ونبرة صوته المرة دي نزلت أعمق وأقوى، كأنها زلزال بيزلزل أركان البيت كله، وقال بصوت يرعب: “واللي عملتوه فيها وفي عيالي النهاردة ده، أقسمت بالله العظيم ما هعديه بالساهل! الكلام والإهانة اللي اتقالت لابني، وقلة الأدب والمد بالإيد على مراتي، الكل هيتحاسب عليها حرف بحرف.. ومش هعمل حساب لأي حد هنا بعد النهاردة، اى كان مين يكون!”

بص لهدير وللصغيرة بغل يقطع النفس: “رجالتكم لما يرجعوا، يوروني وشهم.. عشان اللي اتعلمتوه في بيوتكم النقص دي هتردوه مضاعف، وحق مراتي وعيالي آخده بذراعي وبالقانون وقسماً بالله ما هسيب شرفي وكرامتي تتداس تحت رجليكم تاني!”

ولف وشّه ليا، ونظرته كانت أصعب من أي كلمة: “وأنتِ يا أمي.. ربنا يسامحك على كل افترا افتريتيه على بنت الناس دي، لكن من النهاردة أنتِ ليكي ابن اسمه ياسر رحل.. ومش عايز أشوف وش حد فيكم ولا اسمع صوتكم لحد ما أقابل ربنا. والشقة دي أنا هبيعها وهجيب حد غريب يقعد في وسطيكم ومش هراعي حاجه من هنا ورايح.”

شد صفا من إيدها بحنية وقوة في نفس الوقت، ومسك عياله تحت ذراعه، ومشي بيهم ناحية الباب. صفا مشيت جنبه وراسها مرفوعة، ودموعها نزلوا بس المرة دي دموع راحة مش كسرة. خرجوا ودبوا الباب وراهم، وسابوا البيت في حالة صمت قاتل، وهدير والصغيرة واقفين يترعشوا وشهم أصفر زي الليمون، وأنا اتسمرت مكاني مش قادرة آخد نفسي، والندم والخصام أكلوا قلبي في لحظة.

خرج ياسر من البيت يجر خطاويه بغل ودمه محروق، ماسك إيد مراته صفا بإيد، وعياله بالإيد التانية. ما فكرش يروح عند أهلها ولا يروح شقة إيجار الأول، طلع على طول على أقرب مستشفى عام وهو حاسم أمره ومش شايف قدامه غير إنه ياخد حقها بالقانون.

دخل المستشفى وطلبه كان واضح صريح: عايز تقرير طبي إثبات حالة لمراتي. الدكاترة كشفوا على صفا، وسجلوا كل حاجة بالمليمتر: آثار إصابة في وشها ورقبتها من أثر الاعتداء، وتورم واضح في إيدها من أثر الضغط بالرجل. صفا كانت واقفة ساكتة، بس عينها فيها ثبات لأول مرة، حاسة إن جوزها ضهرها وبيردلها اعتبارها بعد سنين الهوان.

أول ما استلم التقرير الطبي ومختوم بختم النسر، طلع بيه على قسم الشرطة مباشرة. دخل على الضابط وطلب يعمل محضر إثبات حالة واعتداء. وقعد يسرد للضابط التفاصيل حرفياً: “أمي وسلايفها اتجمعوا على مراتي في شقتها، إساءة وإهانة، ومعايا التقرير الطبي بيثبت كل الإصابات دي.”

الضابط كتب المحضر وسجل أقوال صفا وياسر، وأخد أرقام البطاقات وبيانات البيت بالكامل. ياسر بص للضابط وقال بجمود ونبرة ما فيهاش ولا نقطة تراجع: “أنا مش حابب أعمل حوار عائلي يا باشا، أنا طالب المحضر ده يتحول للنيابة فوراً، وكل واحدة اشتركت في الإساءة والإهانة تتطلب رسمياً وتتحاسب بالقانون.”

خرج ياسر من القسم والورق في جيبه، وبص لصفا وقيلها بصوت هادي وواثق: “حقك وحق عيالك بقى في حماية القانون، ومفيش بني آدم في البيت ده هيعرف ينام مرتاح بعد النهاردة.”

ما عدتش غير كام ساعة، وما لحقناش نبتلع الصدمة، لحد ما لقينا أمين شرطة خبط على الباب ومعه استدعاء رسمي من النيابة باسمي وباسم هدير وباسم سلفتها الصغيرة.

أول ما شوفت الورقة وختم النسر، ركبي خبطت في بعضها والدم هرب من وشي. هدير الصدمة شلتها وبقت تصرخ وتلطم على وشها: “استدعاء في القسم والنيابة؟! إحنا يتمشكل بينا في الأقسام بسبب صفا؟!”

في الوقت ده، إخوات ياسر الكبير والصغير كانوا راجعين من شغلهم، شافوا أمين الشرطة واقف والبيت مقلوب والنسوان بتصرخ. اتفاجئوا وهرعوا يسألوا في إيه. مسك ابني الكبير الورقة من إيد أمين الشرطة وقرأ الأسماء والمحضر: اعتداء وإحداث إصابات مثبتة بتقرير طبي!

ابني الكبير بصلي وبص لمراته هدير وقال بصوت زي الرعد: “إيه الكلام ده؟! محضر وتعدي؟! إيه اللي حصل في غيابي؟!”

طلعت هدير تحاول تتصنع العياط وتتبلى كعادتها: “حقك عليا يا أبو مدحت، أخوك نازل يتبلى علينا وجايب لمراته تقرير طبي مزور عشان يبهدلنا!”

بس المرة دي، الباب الخارجي اتفتح ودخل ياسر، وقف على السلم وبص لإخواته بثبات يهد الجبال، وقالهم بكل قسوة: “أنا مش جاي أتناقش معاكم.. أنا جاي أقولكم إن مراتكم ومعاهاهم امكم أولادكم اتجمعوا على مراتي في شقتها، إساءة وإهانة، والتقرير الطبي وصور التعدي والمحضر في النيابة هما اللي هيتكلموا.”

إخواته الاثنين اتصدموا وبصوا لبعض مش مصدقين بشاعة اللي سمعوه.

وقفوا إخواته الاثنين مذهولين، اللسان عاجز عن الكلام والعرق نازل من وشهم من هول الصدمة. مش مصدقين إن أخوهم اللي طول عمره طيب وساكت، واقف قدامهم بالقوة والقسوة دي كلها.

قرب منه أخوه الكبير وهو بيترعش من الغضب والذهول وقال: “أنت اتجننت يا ياسر؟! عايز تفضحنا في المنطقة وتجرنا أقسام ونيابات عشان خاطر حتة ست؟ وتبيع نصيبك في البيت للغرباء وتخرب بيت العيلة؟!”

رد عليه ياسر بنبرة صوت أبرد من التلج وأقسى من الصخر، وعينيه مثبتة في عيونهم من غير ما يرمش: “ست؟ الست دي صانتني وصانتكم سنين وأنتم جاحدين، والست دي هي شرفي وكرامتي اللي سحلتوها تحت رجليكم! وأما عن البيت.. أيوة، أنا ماشي ومش راجع تاني، ونازِل الصبح أبيع نصيبي وحصتي في بيت العيلة ده لأي حد غريب، ومش هبيعه لواحد فيكم ولو دفعلي فيه مال الدنيا!”

اتنطر أخوه الصغير وصړخ: “تبيع للغرب يا ياسر؟! تبيع حق أبونا للغريب وتدخل علينا ناس غريبة تضايقنا؟ فين صلة الدم والأخوة اللي بينا؟!”

ضحك ياسر ضحكة مكسورة مليانة غل وألم، وقالهم: “صلة الدم؟! أنتم تفتكروا صلة الدم لما تعوزوا تكسروني وتدوسوا على مراتي وعيالي؟ أنتم اللي قطعتوا صلة الدم من زمان لما شوفتوا مراتي بتتهان وكنتوا فرحانين وساكتين! طالما أنتم ما عملتوش حساب لصلة الدم ولا احترامتم إني أخوكم، أنا كمان مش هعمل حساب لأي حاجة بعد النهاردة!”

وبصلي أنا، وبعدين لف وشّه لإخواته ومسك إيد مراته وعياله وقال الكلمة الأخيرة اللي قطعت كل عرق في البيت: “والمحضر ده مش هتنازل عنه لو السماء انطبقت على الأرض.. لأن الطيب في البيت ده والناس المحترمة أنتم بتدوسوا عليها وبتفتكروا طيبتها ضعف وكسرة نفس! للقانون كلمة.. وحق مراتي صفا هآخده بالقوة وبالقانون!”

شد مراته وعياله ونزل على السلم، وساب البيت وراه بيموج في غضب شديد، وهدير والصغيرة بيصرخوا من الخوف من اللي جاي في النيابة، وإخواته الاثنين واقفين يضربوا كف بكف من الصدمة، وأنا قاعدة على الكنبة مش قادرة أرفع راسي، وشايفة بيتي وعيلتي بانهاروا قدام عيني بسبب الظلم والافترا على بنت الناس.

ثاني يوم الصبح، كانت المنطقة كلها واقفة تتفرج، وعربيات النقل واقفة قدام باب العمارة. ياسر جاب عمال ونزلوا عفش شقته حتة حتة، نقل كل حاجته وحاجة مراته وعياله لشقة ثانية جديدة كان شاريها من فترة وراكنها للزمن، شقة محدش مننا كان يعرف عنها حاجة.

إخواته الاثنين نزلوا يجروا على الشارع، وشهم أسود من الخزي والكسرة، وحاولوا يقفوا قدام عربيات النقل ويمنعوه. قرب منه أخوه الكبير وهو بيتحايل عليه بصوت مكسور: “يا ياسر يا خوي استهدى بالله.. بلاش الفضايح دي قدام الغريب والريب، تعالى نقعد ونحلها ودي، والاعتبار اللي تطلبه لمراتك هيتوصلها لحد عندها!”

رد عليه ياسر وهو بيرمي آخر شنطة في العربة ومابيبصلهمش حتى: “الاعتبار والحل الودي كان زمان.. لما كانت مراتي بتخدمكم بعنيها وأصلها وأنتم بتدوسوا عليها، دلوقتي الكلام بقى للقانون.”

وما عدتش أسبوع واحد، وكان ياسر جايب مشتري غريب للبيت. راجل غريب عن المنطقة خالص، جابه ياسر وفرجه على الشقة وعلى حصته في البيت والعمارة، وباعله نصيبه وشقته كاش وفي ساعتها.

إخواته لما عرفوا إن المشتري واقف وبيكتب العقد، اتجننوا وجريوا عليه، ورفعوا صوتهم وقالوله: “إحنا أولى بنصيب أخونا! بيع النا إحنا الشقة وإحنا ندفعلك اللي تطلبه وزيادة، بس ما تدخِّلش علينا غريب يشاركنا في بيت أبونا!”

وقف ياسر بين المشتري وبين إخواته، وابتسم ابتسامة باهتة مليانة قسوة وقالهم: “أنا قولتلكم من الأول.. صلة الدم أنتم اللي قطعتوها بأيديكم، والغريب اللي مش عاجبكم ده أرحم عليا وعلى عيالي منكم كلكم! مش هبيع لكم، ولو دفعتوا لي دهب الأرض.”

حاولوا معاه بكل الطرق، جابوا كبار العيلة والمنطقة عشان يترجوه يتنازل عن محضر النيابة وعن الاستدعاء اللي وصل للهانم الكبيرة والصغيرة، بس ياسر كان زي الجبل، قفل كل الأبواب في وشهم وقال كلمته الأخيرة قبل ما يركب عربيته ويمشي: “المحضر ماشي في طريقه، والجلسة تحددت، وكل واحدة مدت إيدها أو لسانها على صفا هتقف قدام القاضي وتاخد جزاها بالقانون.. عشان تتعلموا كلكم إن كرامة بنت الناس مش لعبة في إيديكم.”

وسابهم ورفع رأسه ومشِي، وساب البيت وراه خرابة.. الشقة اتقفلت واتباعت للغريب، والهيبة اتكسرت، والفضايح طالت الكل، وأنا قعدت في شقتي أندب حظي على اليوم اللي استقويت فيه على المظلومة وخسرت فيه ابني وعيلتي للأبد.

ومرت الأيام، والبيت اللي كان دايماً ملموم ومستور، بقى أضحوكة الشارع كله. أولادي الاثنين بقوا كل يوم في خناق ومسك في الزوامير مع حريمهم.

أخوه الكبير بقى ينزل من شقته يصرخ في هدير: “أنتِ السبب! أنتِ ونقصكِ وشركِ اللي وداكم الأقسام وفضحنا قدام يسار ويمين وخليتي أخويا يبيع نصيبه لواحد غريب ويقف قصادنا!” وهدير تصرخ وترد عليه، والشارع كله يسمع صوتهم، والصغيرة نفس الكلام مع جوزها.. البيت المليان خير وبركة بقى عبارة عن نار تقيد كل يوم، وصوت الشتائم والفضايح بقى هو النغمة اليومية اللي المنطقة كلها بتصحى وتنام عليها. وأنا قاعدة في النص، لا قادرة أسكتهم ولا قادرة أرفع راسي قدام الجيران اللي بقوا يبصولنا بعين الاحتقار.

وجاء يوم الجلسة.. وقفت هدير والصغيرة قدام القاضي في المحكمة وهما مكسورين وشهم في الأرض، بعد ما النيابة أحالت المحضر للجنح بتهمة التعدي والإهانة وإحداث إصابات عمدية مثبتة بتقرير طبي رسمي.

وقاف ياسر ومعه المحامي، وقدم التقرير الطبي ومحضر الشرطة واشهود، وقرأ القاضي الحكم اللي نزل عليهم زي الصاعقة: “حكمت المحكمة حضورياً: أولاً بمعاقبة كلٍّ من المتهمة الأولى هدير والمتهمة الثانية منى لمدة ثلاثة أشهُر مع الشغل، عن تهمة التعدي وإحداث الإصابات المُثبتة بالتقرير الطبي، مع إيقاف التنفيذ بكفالة مالية. ثانياً إلزام المتهمتين بدفع تعويض مدني مؤقت قدره عشرة آلاف جنيه لصالح المجني عليها صفا، عن الأضرار المادية والمعنوية والأدبية التي لحقت بها وبأطفالها من جراء الاعتداء والإهانة. ثالثاً إلزام المتهمتين بالمصاريف الجنائية وأتعاب المحاماة.”

خرجوا من المحكمة وهما مش قادرين يمشوا على رجليهم، الفضيحة كملت بالحكم والتعويض، والبيت اللي ظنوا إنه حصن استقووا بيه على بنت الناس، بقى هو السجن والخرابة اللي عايشين فيها.

أما صفا.. فخرجت من باب المحكمة جنب جوزها، راسها مرفوعة، وعيالها حولين منها حاسين إن ليهم ضهر وأب ما فرطش في كرامتهم. وأنا قعدت أتحسر على عمر عدى، وعلى عيلة اتفككت بسبب الظلم.. وعرفت إن دعوة المظلوم مالهاش حجاب، وأن ربنا ما بيسيبش حق حد أبداً.

من وقتها وكل واحد من أولادي قفل على نفسه باب شقته مع مراته وعياله، المشاكل والغل أكلوا النخوة من قلوبهم وبقت كل شقة عبارة عن جزيرة مقطوعة. بقيت قاعدة في شقتي لوحدي طول النهار والليل، السكوت يصرخ في أركان البيت، وما حدش فيهم بقى يفكر ينزل يطل عليا أو يسألني عاملة إيه يا أمي؟.

الصبح يجي والليل يمر، وأنا مش قادرة أقف على رجلي أعمل كباية شاي ولا أناول نفسي لقمة ناشفة أبل بيها ريقي. هدير اللي كنت بأجاملها على حساب بنت الناس، بقت لما تعدي من قدام بابي تتجاهلني وكأني مش موجودة، وسلفتها الصغيرة قفلت بابها ولا حتى بتفكر تبعتلي طبق أكل.

في اللحظات دي بالذات، وسط التعب والوحدة والكسرة، عرفت القيمة الحقيقية لصفا.. افتكرت أيام ما كانت تنزل من صباحية ربنا، تتسحب بالراحة عشان ما تقلقنيش، تنضف وتطبخ وتحط الأكل قدامي سخن، وتفضل واقفة على رجليها تخدمني بابتسامة وصبر من غير ما تشتكي ولا تمن عليا بكلمة.

عرفت إن اللي كانت بتعمله صفا معايا ما كانش ضعف ولا فرض عليها زي ما أقنعت نفسي وأقنعتهم، ده كان أصل ونظافة قلب وتربية غالية أنا بجهلي وقسوتي رفستها برجلي.

بقيت أقعد قدام شباكي، وأشوف ياسر وهو راجع من شغله ومسك إيد صفا وعياله ايديهم ملمومة حوليه ومبسوطين في حياتهم الجديدة بعيد عن سمّنا.. أبص عليهم ودموعي تنزل، أقول لنفسي: تستاهلي يا حجة.. خسرتي الابن البار والكنز اللي كان في بيتك، وقعدتي بين أربعة حيطان تشربي من نفس الكأس اللي سقيتيه لبنت الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى