قال لها: سأعطيك مليونًا إن جعلتِني أمشي…

مليون من المال. كان الرجل الجالس على الكرسي المتحرك يضحك ويصفق كأنه يفتتح عرضا مسرحيا. كله لك إن استطعت أن تجعليني أمشي من جديد. تردد صدى ضحكة قاسية في حديقة معهد سان ميغيل لإعادة التأهيل. أربعة رجال أثرياء يرتدون بدلات مفصلة خصيصا لهم أحاطوا بماوريسيو فارغاس. كان أغنى رجل في الولاية وكان كرسيه المتحرك الفاخر يلمع كأنه كأس نصر. وأمامهم وقفت طفلة حافية القدمين. كانت ركبتيها مغطاتين بالتراب وملاـ,ـبسها ممـ,ـزقة بفعل الفقر. كان جسدها الصغير يرتجف لكن عينيها رفضتا أن تنخفضا. كان اسمها عالية موراليس. وخلفها كانت والدتها كارمن موراليس تقبض

على مقبض الممسحة بقوة حتى اهتز المقبض على أرضية الحجر. كانت قد ارتكـ,ـبت خطأ لا يغتفر أحضرت ابنتها إلى العمل لأنها لم تكن تملك مالا لدفع حضانة. والآن صار فقرها وسيلة ترفيه. هل تفهمين أصلا ما معنى مليون سأل ماوريسيو. انحنى قليلا بابتسامة بدت أبرد من الرخام تحت قدمي عالية. ابتلعت عالية ريقها. نظرت إلى وجه أمها المغمور بالدموع ثم أومأت. إنه مال أكثر مما سنراه طوال حياتنا. عاد الرجال إلى الضحك بصخب. كان أحدهم قد رفع هاتفه بالفعل ليبدأ التصوير. كانوا يريدون مقطعا ينتشر مزحة طفلة فقيرة تتوسل لمعجزة. لكن عالية لم تتوسل. نظرت مباشرة إلى كرسي ماوريسيو المتحرك. تأملت ألياف الكربون وأجهزة الاستشعار والغرور المصنوع في كل تفصيلة مصقولة. ثم سألت بهدوء يكاد يكون ببراءة إن كنت تؤمن

حقا أن الأمر مستحيل فلماذا تعرض المال ماتت الضحكة في منتصف النفس. لأن طفلة حافية القدمين تدعى عالية وبجملة واحدة كشفت الحقيقة. لم يكن هذا عرضا. بل إهانة متنكرة في هيئة كرم. أدرك ماوريسيو فارغاس الذي أمضى سنوات يستخدم المال ليذكر الناس بمكانهم شيئا مهما. الطفلة التي أمامه لم تأت لتؤدي دورها. بل جاءت لتحطم النص. أرادت كارمن أن تختفي. أسندت ظهرها إلى الجدار الحجري البارد متمنية لو ينفتح ويبتلعها. لثلاث سنوات كانت تنظف مراحيض هذا المعهد قبل الفجر وبعد الغروب. تعلمت كيف تصبح غير مرئية. الناس غير المرئيين لا يسخر منهم. ولا يؤذون. ومع ذلك ها هي هنا. مكشوفة مجردة من كرامتها أمام رجال يتعاملون مع القسوة كأنها رياضة. أرجوك همست كارمن بصوت مكسور. خطت

خطوة للأمام بدافع الغريزة. سنغادر. ابنتي لن تلمس شيئا. أعدك. لم ينظر إليها ماوريسيو في البداية. وحين فعل أخيرا مرت عيناه فوقها. كما ينظر الناس إلى القمامة على الرصيف منزعجين من مجرد وجودها. لم أمنحك الإذن بالكلام قال بهدوء. وكان ذلك أسوأ. منذ ثلاث سنوات تنظفين مراحيضي دون أن أعرف اسمك. لا تبدئي بمقاطعة اجتماعاتي الآن. كان الصمت الذي تلا ذلك كثيفا خانقا. انحنت كتفا كارمن. كانت الدموع تحرق خلف عينيها لكنها رفضت أن تسقط. البكاء لم ينقذها يوما. كانت في السابق معلمة. تحمل الطباشير في يديها وطلابا ينادونها الآنسة موراليس باحترام. ثم توفيت أمها. ثم انهارت الحياة. والآن كانت تنظف الأرضيات لرجال يضحكون من ألمها. رأت عالية كل شيء. رأت كيف انكمشت أمها. رأت كيف استقرت الإهـ,ـانة

ثقيلة في صدرها كعبء لا ينبغي لأي طفل أن يشهده. تذكرت الليالي التي كانت تتقاسم فيها مع أمها فراشا رقيقا وهي تسمع اعتذاراتها عن حياة لم تخترها. تذكرت الجوع. تذكرت الوعود التي كانت تهمس في الظلام سأحميك. سأصمد. تغير شيء داخل عالية. لم تختف الخجل لكنه تصلب وتحول إلى شيء آخر. شيء أبرد أوضح. رفعت ذقنها. علمتها أمها أشياء كثيرة دون قصد. كيف تتحمل كيف تصمت حين يكون العالم قاسيا. لكنها واقفة هناك حافية على الرخام المصقول اتخذت قرارا صامتا. لن تسمح لهذا الموقف أن يعلمها كيف تكون صغيرة. وإن كانوا مصرين على تذكيرها من أين جاءت فستريهم أنها ليست ضعيفة بسبب ذلك. بل صنعت منه. لم ترفع عالية صوتها. لم تبك. لم تتراجع. بل نظرت إلى ماوريسيو بالطريقة التي نادرا ما يتوقعها الكبار من الأطفال. بهدوء وتمعن ومن دون خوف. أنت لا تعرض المال حقا قالت بصوت منخفض. انزلقت الكلماتـ,ـ

في الهواء كسكين ملفوف بالمخمل. قطب ماوريسيو حاجبيه. ماذا قلت لو كنت تؤمن حقا أنك قادر على المشي من جديد تابعت عالية ويداها مشدودتان إلى جانبيها لكان عرض مليون من المال مخاطرة. توقفت لحظة. لكنك لا تؤمن بذلك. ولهذا من السهل أن تضحك. عم الصمت الحديقة. لا ضحك لا هواتف تتحرك. حتى النافورة خلفهم بدت عالية الصوت. إذن هذا ليس عطاء أضافت بل مزحة. مزحة آمنة. لأنك متأكد أنك لن تضطر للدفع. أطلق أحد رجال الأعمال ضحكة قسرية حادة. الطفلة تظن نفسها ذكية. لكن ماوريسيو لم يضحك هذه المرة. ارتجفت ابتسامته ثم تصلبت كشق أعيد ترميمه بسرعة. وما الذي يجعلك تظنين أنك تفهمين شيئا عن هذا سأل. ترددت عالية لثانية واحدة فقط ثم تحدثت. كانت جدتي تقول إن الأغنياء يشترون أشياء مستحيلة قالت لا لأنهم يحتاجونها بل لأنها تثبت أنهم يستطيعون تحمل الفشل. سرت همهمة بين الرجال. وكانت

جدتي تشفي الناس تابعت عالية وصوتها ما يزال منخفضا لكنه صار أكثر ثباتا أناسا تخلى عنهم الأطباء. تنفست بعمق. وكانت تقول الجسد يسمع قبل أن يتحرك والألم لا يسكن دائما حيث يبحث الأطباء. كفى قال ماوريسيو بحدة لكن صوته حمل ضعفا خفيا خرافات طفلة فقيرة لا تخيفني. نظرت عالية إليه مباشرة. لست أحاول إخافتك قالت بل أحاول فهمك. وأشارت بلطف إلى الكرسي. أنت لا تريد أن تمشي. تصلب ماوريسيو. ليس حقا. لأنك لو كنت تريد ذلك لما احتجت إلى السخرية ممن يستطيعون. كان ذلك أقسى من أي إهانة. لأول مرة شعر ماوريسيو بشيء يتغير. لا في ساقيه بل في صدره. ضغط لم يسمه منذ سنوات. غضب وخزي وتحت كل ذلك خوف. لأن الطفلة الحافية أمامه لم تكن تسخر. بل كانت تراه. وكان ذلك يرعبه أكثر من احتمال أن تكون محقة. استند ماوريسيو إلى ظهر كرسيه وفكه مشدود وعيناه ضيقتان. لا غضب هذه المرة بل شيء أخطر

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى