قال لها: سأعطيك مليونًا إن جعلتِني أمشي…

بكثير الشك. تتحدثين كأنك تعرفينني قال ببطء كأنك تعلمين ما أريد. لم ترمش عالية. أعلم ما الذي تخفيه. سرت موجة من التوتر بين الرجال من حوله. لم يعد الأمر مسليا. بل صار شخصيا. أنت لا تريد الشفاء تابعت عالية بصوت ثابت يحمل ثقلا قديما لأن البقاء مكسورا يسمح لك بإيذاء الناس دون شعور بالذنب. يمنحك الإذن. انحنت أصابع ماوريسيو حول مسند الذراعين. هذا يكفي قال بحدة أنت طفلة. لا يحق لك تحليل نفسي. نظرت عالية إلى الكرسي مرة أخرى. لا شفقة ولا خوف. بل وضوح. علمتني جدتي شيئا قالت كانت تقول لا يمكن شفاء الجسد إذا كان القلب لا يزال في حرب. ثم نظرت إليه. وأنت ما زلت تقاتل شيئا بداخلك. ضغط الصمت بقوة. منذ خمس سنوات تابعت وأنت محاط بالأطباء والآلات والمال. ومع ذلك اخترت هذا
اليوم هذا الموقف لتسخر من أمي. توقفت. وهذا يخبرني شيئا. ماذا سأل ماوريسيو وصوته الآن أهدأ منزوع الحدة. أنك لم تعد تشعر بالقوة قالت بلطف والقوة كانت الطريقة التي كنت تشعر بها أنك حي. ضربته الكلمات كلكمة في الأضلاع. تحرك أحد رجال الأعمال بتوتر. وتنحنح آخر. لم يعد أحد يضحك. لم يعد أحد يصور. تقدمت عالية خطوة صغيرة أخرى. لا أستطيع مساعدة شخص لا يريد التخلي عن قسوته قالت الشفاء يعني التغيير والتغيير مخيف. نظر إليها ماوريسيو طويلا. نظر إلى التراب على ركبتيها. إلى الهدوء في عينيها. إلى الشجاعة اللازمة للوقوف هناك بلا شيء بلا مال بلا حماية سوى الحقيقة. انكسر صوته
حين تكلم أخيرا. وماذا لو أردت المحاولة سأل بصوت منخفض ماذا لو لم أعد أعرف كيف لان تعبير عالية. لا انتصارا بل فهما. إذن توقف عن السخرية من الألم الذي ليس ألمك قالت. ولأول مرة منذ سنوات شعر ماوريسيو فارغاس بشيء غريب يصعد في صدره. لم يكن أملا بل بداية الاستسلام. لم يتوقع أحد أن يتغير المكان بهذه السرعة. أومأ ماوريسيو مرة واحدة ببطء كأنه يقبل أمرا كان يتجنبه منذ سنوات. افعليها قال حاولي. لم تعد الضحكة. استدعي الأطباء على مضض. جلبت الشاشات. أساور ضغط الدم وأجهزة الاستشعار القلبية والكاميرات. لا لأنهم آمنوا بل لأنهم خافوا أن يكونوا مخطئين. تراجع رجال الأعمال جانبا فجأة صامتين غير واثقين من مكانهم في القصة. خلعت عالية سترتها الرقيقة ووضعتها بعناية على كرسي. اجلس بهدوء
قالت لا كأمر بل كوعد. أطلق ماوريسيو ضحكة ساخرة خافتة. واستمع إلى جسدك. لكنه لم يجادل. لأول مرة منذ سنوات أطاع دون أن يشتري السيطرة. وضعت عالية يديها الصغيرتين على ركبتيه. كانتا باردتين. أخبرني إن شعرت بشيء همست. في البداية لم يحدث شيء. امتدت الثواني. سعل أحدهم. أصدر أحد الأجهزة صفيرا ثابتا لا مباليا. ثم استنشق ماوريسيو بحدة. حرارة تمتم. أومأت عالية وبدأت تحرك أصابعها ترسم مسارات بطيئة ومدروسة على ساقيه صعودا نحو عموده الفقري. لم تكن لمستها قوية. ولا درامية. بل دقيقة كأنها تتبع خريطة لا تراها سواها. انتشرت الحرارة. تغير تنفس ماوريسيو. إنها تنتشر قال بدهشة وصوته يتكسر كالوخز. اقترب أحد الأطباء. هذا مستحيل همس وعيناه معلقتان بالشاشة. أغلقت عالية عينيها. كانت جدتي تقول الجسد يتذكر همست حتى حين تستسلم النفس. تشبثت يدا ماوريسيو بمسندي الكرسي. أشعر بشيء قال أقوى هذه المرة لم أشعر بشيء منذ خمس سنوات. تجمدت الغرفة. ضغطت عالية بلطف على نقطة قرب أسفل عموده الفقري. شهق ماوريسيو لا ألما بل دهشة. أصابعي قال وامتلأت عيناه بالدموع فجأة أستطيع أستطيع أن أشعر
بأصابع قدمي. تراجع أحد رجال الأعمال مترنحا كأنما ضرب. راجع الطبيب الشاشات مرة. ثم مرة أخرى. استجابة عصبية همس هذا لا ينبغي أن يحدث. أطلق ماوريسيو ضحكة مكسورة غير مصدقة. ثم بدأ يبكي. ليس دموع رجل قوي متحكم. بل نشيجا فوضويا عاجزا لشخص نسي كيف يكون الأمل. ارتجفت يدا عالية الآن وداهمها الإرهاق. هذا يكفي لليوم قالت بهدوء وهي تتراجع. نظر إليها ماوريسيو كأنها أعادت إليه جزءا من روحه. لم تلمـ,ـسي ساقي فقط قال بصوت أجش بل أيقظت شيئا. ثبتت عالية نظرها عليه شاحبة لكنها صلبة. لا قالت أنت فعلت ذلك. أنا فقط دللتك على موضع الاستماع. ولأول مرة منذ الحادث لم يكن ماوريسيو يفكر في المال أو القوة أو الإهانة. بل في الغد. في صباح اليوم التالي لم يعد المعهد يبدو مكانا للتعافي. بل صار كأنه إشاعة نبتت لها ساقان. كانت الهمسات تتحرك أسرع من الممرضات. اقترب حارس أمن أكثر مما ينبغي وطرح أسئلة يتظاهر أنها ليست أسئلة. أوقفت معالجة نفسية عالية في الممر لمجرد أن تنظر إلى يديها كأنها تتوقع أن تلمعان. وبحلول الظهيرة كان هناك أناس يقفون قرب المصاعد واضح أنهم ليسوا من طاقم العمل. رجال ونساء بعيون منهكة
عصي وأجهزة تقويم وكراس متحركة. كان الأمل ممسوكا بقوة حتى بدا كأنه ألم. كان ماوريسيو أول من لاحظ ذلك. إنهم ينتظرونك قال بصوت منخفض وهو ينظر من غرفته إلى امرأة في الأسفل تضغط جبهتها على الأبواب الزجاجية وتصلي. جميعهم. انقبض صدر عالية. لم ترد هذا. لم تخطط لأن تتبعها العيون ولا لأن تتعقب الهمسات اسمها كظل. كانت مجرد طفلة لمست ساقي رجل لأن القسوة تحدتها أن تكون صغيرة فرفضت. والآن صار العالم يطرق الباب. بحلول العصر امتلأ الممر خارج جناح ماوريسيو. كان رجل ترتجف يداه يتوسل خمس دقائق. وركعت أم على الأرض تبكي تقول إن ابنها لم يمش منذ سبع سنوات. وصرخ آخر بين الدموع أرجوكم انظروا إليها فقط. اسمحوا لها أن تلمسه مرة واحدة فقط. تجمدت عالية خلف أمها. احتضنت كارمن ابنتها بذراعين مرتجفتين وقاسيتين من الخوف. إنها طفلة كانت تكرر ذلك لكل من يسمع إنها متعبة. ليست آلة معجزات. لكن اليأس لا يفهم الحدود. تقدم ماوريسيو بكرسيه إلى الأمام وأمسك بإطار الباب كأنه يتوازن. ليس جسديا بل أخلاقيا. طوال سنوات كان هو الرجل خلف الزجاج محميا من آلام الآخرين بالمال واللامبالاة. والآن كان يرى






