عام
أخر الأخبار

شاف حبيبته القديمة

شاف حبيبته القديمة بتعيط جوه صيدلية… ولما بنتها المريضة همست: “ماما… حقك عليا امتى ابطل اعيا”، حياته كلها اتقلبت في ثانية.

صوت البنت كان واطي جدًا…لدرجة إن محدش في الصيدلية سمعها وسط صوت أجهزة الكاشير…ولا رنة التليفونات…ولا المطر اللي كان بيخبط في إزاز الصيدلية.

لكن طارق الحربي سمعه…”ماما… متعيطيش.”

همست الطفلة وهي ماسكة طرف جاكيت أمها…”أنا ممكن أبطل أعيى… بجد.”اتجمد طارق مكانه عند باب الصيدلية.

كان لسه داخل من المطر…والموبايل بيرن في إيده.

سكرتير شركته بيتصل بيه للمرة التالتة…لكن لأول مرة…

ما ردش…هو أصلًا ماكانش داخل يشتري دوا.

كان مستني المطر يخف بس…لكن القدر كان مخبي له حاجة تانية..رفع عينه…وشافها…نغم…طليقته وحبيبته الوحيدة…

والست الوحيدة اللي عمره ما قدر ينساها…كانت واقفة قدام الصيدلي…لابسة عبايه سودا قديمه…

وشعرها باين من الطرحه العشوائية اللي لفاها بسرعة…وفي إيدها روشتة متكرمشة، ضاماها على صدرها كأنها آخر أمل عندها…عرفها من أول نظرة.

وعرف كمان إنها بتحاول تبان قوية…رغم إنها من جوا منهارة…عدت ست سنين…من يوم ما خرجت من حياته…وسابت مفاتيح الفيلا فوق الترابيزة…ومضت أوراق الطلاق…ومشيت من غير ما تطلب جنيه واحد.

لا نفقة…ولا بيت…ولا حتى تفسير.

وقتها أقنع نفسه إنها هي اللي اختارت تمشي…وأقنع نفسه إنه بيحترم قرارها…وأقنع نفسه بحاجات كتير…

لأنها كانت أسهل من الاعتراف إنه كان جبان…سمع نغم بتقول للصيدلي بصوت مكسور:”ممكن أدفع نص المبلغ النهارده…والباقي آخر الأسبوع…بس اديني المضاد الحيوي الليلة.”الصيدلي هز راسه بأسف.

وقال:”آسف يا مدام…التأمين رفض يغطي العلاج.

وسعر الدوا أربعة آلاف وثمانمية وستين جنيه.”

نغم ماعيطتش…لكن طارق شاف كل حاجة.

شاف إيديها وهي بتترعش…وشاف شفايفها وهي بتضغط عليهم عشان متنهارش..ظوشافها بتحاول تخبي وجعها قدام بنتها…كانت الطفلة واقفة جنبها…

لابسة حذاء وردي عليه بطة صفرا…شكلها عندها حوالي خمس او ست سنين…بشرتها شاحبة.وشعرها أسود ناعم.

ولما رفعت وشها…وقف قلبه…كانت عيونها…

رمادية..دنفس لون عيون والدته بالظبط… هي خليط عجيب من امها وامه ووو…شدت كم أمها وقالت:

“ماما…مش لازم نجيب الدوا…أنا هبقى كويسة.”

نزلت نغم بسرعة لمستواها…وحاولت تبتسم.

“متخافيش يا حبيبتي.”هزت البنت راسها وقالت ببراءة:

“انا كويسه يا ماما.”في اللحظة دي…

حس طارق إن حاجة اتكسرت جواه…مشى ناحيتهم من غير ما يفكر…وقال للصيدلي:”حاسبني على كل الأدوية.”

لفت نغم بسرعة…ولما شافته…اتجمدت…مرت ثواني…

محدش فيهم نطق…ولا صوت في الصيدلية كان مسموع.

غير أنفاسهم..ظقالت بهدوء:”طارق…”

اسمه خرج منها…شايل وجع سنين.

بص للبنت الصغيرة.وسأل بصوت مخنوق:”اسمها إيه؟”

نغم همست بسرعة وهي بتسحب ايد بنتها..وقالت: ” مش عاوزين يا دكتور العلاج ..احنا ماشيين… رجع فلوس البشمهندس” لكن طارق وقف قدامها…وحط بطاقته البنكية على الكاونتر…وقال للصيدلي: “هات كل اللي في الروشتة…وأي دوا هيحتاجوه.”

همست نغم بغضب:” قلت لا .”من غير ما يبصلها…

قال وهو مركز عينه على الطفلة:”مش علشانك.”

سكتت.أما البنت…

ميل عليها ومسك ايدها وقال =اسمك ايه؟

فابتسمت الطفله ابتسامة صغيرة وقالت:”اسمي زينه.”

ابتسم رغم الوجع.”اسم جميل.”قالت بفخر: “ماما بتقول كده بردو.”رد وهو صوته بيتهز:”وهي عندها حق.”

اما نغم مكنش قدامها اختيار أخدت كيس الأدوية…ولفت ومشيت تحت المطر… مع بنتها ..من غير حتى كلمة شكر.

كانت فاكره الموضوع خلص علي كده لكن طارق مشي وراها من بعيد…وصلوا بعد شارعين…لعمارة قديمة فوق مغسلة.كانت نغم حامية زينه بجسمها من المطر…

رغم إن هي نفسها كانت غرقانه…ناداها:”نغم…”

وقفت…من غير ما تبصله..قال برجاء:”لو سمحت…”

لفت ناحيته ببطء.وقال وهو باصص للبنت:”عندها كام سنة؟”شدت نغم على فكها.وقالت: وانت مالك؟

كرر السؤال بهدوء:”كام سنة يا نغم ؟”

ردت بعد صمت طويل….

حس إن الدنيا بتلف بيه…وقال بصوت واطي:”دي بنتي…”

— دي بنتي يا نغم؟

السؤال خرج من طارق بصوت واطي، لكنه وقع عليها كأنه صرخة.

نغم فضلت واقفة مكانها تحت المطر، ماسكة إيد زينة بقوة، ووشها اتحول في لحظة من الغضب للخوف.

مش خوف منه…

خوف من اليوم اللي فضلت ست سنين كاملة تهرب منه.

زينة رفعت عينيها لأمها وقالت باستغراب:

— ماما… هو عمو بيقول إيه؟

نغم نزلت بسرعة لمستواها، وعدلت لها الكاب اللي كان المطر بلله.

— مفيش يا حبيبتي… يلا نطلع البيت عشان هدومك اتبلت.

لكن طارق اتحرك ووقف قدامها.

— نغم، أنا سألتك سؤال.

رفعت عينيها له أخيرًا.

— وأنا مش مطالبة أجاوبك.

طارق ضحك ضحكة قصيرة، مليانة صدمة أكتر من السخرية.

— مش مطالبة؟! أنا واقف قدام طفلة عندها نفس لون عيون أمي، وسنها تقريبًا على قد المدة اللي إحنا منفصلين فيها… وبتقولي مش مطالباني أعرف؟

نغم قربت زينة منها.

— وطّي صوتك.

— عندها كام سنة؟

— طارق…

— كام سنة؟!

زينة خافت من نبرة صوته، فاستخبت ورا أمها.

طارق شاف الحركة دي وسكت فورًا.

كأنه فجأة استوعب إن غضبه مالوش ذنب فيه الطفلة.

رجع خطوة لورا وقال بهدوء:

— حقك عليا يا زينة… أنا مش زعلان منك.

زينة بصتله من ورا أمها وقالت:

— إنت زعلان من ماما؟

السؤال البريء خبط الاتنين في قلبهم.

نغم ردت بسرعة:

— لأ يا حبيبتي.

لكن طارق قال في نفس اللحظة:

— أنا زعلان من نفسي.

بصتله نغم.

لأول مرة من ساعة ما شافته، ملامحها اتهزت.

لكنها تماسكت.

مسكت إيد بنتها ودخلت العمارة.

طارق فضل واقف تحت المطر.

وبعد ثواني ناداها:

— نغم!

وقفت على أول درجة.

— أنا مش همشي.

لفت له.

— براحتك.

— هفضل هنا لحد ما أفهم.

قالت ببرود:

— ممكن تفضل للصبح.

وطلعت.

الشقة كانت في الدور الرابع.

من غير أسانسير.

نغم طلعت السلالم وهي شايلة كيس العلاج بإيد، وممسكة زينة بالإيد التانية.

كل درجة كانت بتحاول تقنع نفسها إن اللي حصل تحت مجرد صدفة وانتهت.

لكنها كانت عارفة طارق.

لما يدخل سؤال دماغه، ما بيهدأش غير لما يعرف إجابته.

فتحت باب الشقة.

شقة صغيرة جدًا.

أوضتين وصالة.

الأثاث بسيط، لكن المكان نضيف ومرتب.

أول ما دخلت زينة، كحت كحتين متتاليتين.

نغم جريت عليها.

— حبيبتي، اقعدي هنا.

حطتها على الكنبة، وجابت فوطة ونشفت شعرها.

زينة قالت:

— ماما…

— نعم؟

— عمو طارق ده صاحبك؟

إيد نغم وقفت.

— كان… أعرفه زمان.

— هو غني؟

ابتسمت نغم بحزن.

— وإنتِ عرفتي منين؟

— عشان دفع الفلوس بالكارت بسرعة.

ضحكت نغم رغمًا عنها.

— نامي إنتِ بس.

زينة مسكت إيدها.

— هو كان بيبصلي غريب ليه؟

نغم سكتت.

— معرفش.

— حسيت إنه عايز يعيط.

الكلمة وجعتها.

قامت بسرعة ناحية المطبخ الصغير.

— هجيبلك مية تاخدي الدوا.

لكن الحقيقة إنها كانت محتاجة تبعد عشان بنتها ما تشوفش دموعها.

فتحت الحنفية.

وحطت إيديها على الرخامة.

ست سنين.

ست سنين وهي بتقول لنفسها إنها عملت الصح.

ست سنين وهي شايلة السر لوحدها.

لكن صوت طارق وهو بيسأل:

«دي بنتي؟»

فضل بيرن في ودانها.

تحت العمارة…

طارق ما مشيش.

ركب عربيته وفضل قاعد جواها.

المطر كان بينزل على الزجاج قدامه، والموبايل ما بطلش رن.

بص للشاشة.

«معتز — مدير المكتب».

قفل المكالمة.

بعد دقيقة وصلت رسالة:

«يا باشمهندس، الاجتماع بدأ والمستثمرين مستنيين حضرتك.»

طارق كتب:

«يتأجل.»

بعد ثواني:

«حضرتك الاجتماع مع الوفد الأجنبي، وتأجيله ممكن يعمل مشكلة كبيرة.»

طارق بص ناحية شباك الدور الرابع.

وكتب:

«قولهم عندي ظرف عائلي.»

وقف عند الكلمتين.

ظرف عائلي.

هو أصلًا عنده عيلة؟

ولا ممكن يكون كان عنده عيلة كاملة طول ست سنين وهو مش عارف؟

رجع بذاكرته لآخر شهور جوازه من نغم.

كانت تعبانة كتير.

بتنام بدري.

مرة شافها بترجع من عيادة.

سألها وقتها:

— كنتِ فين؟

قالت:

— شوية إرهاق.

وهو…

ما سألش أكتر.

كان مشغول.

شركة جديدة.

صفقات.

سفر.

وأم بتدخل في كل تفاصيل حياته.

افتكر أمه يوم الطلاق.

كانت واقفة في الفيلا وبتقوله:

— سيبها تمشي يا طارق. اللي تحب جوزها ما تسيبوش بالشكل ده.

وقتها صدقها.

لكن النهارده، لأول مرة، سأل نفسه:

ليه نغم مشيت فعلًا؟

وليه ما طلبتش أي حق؟

وليه اختفت تمامًا؟

والأهم…

لو زينة بنته…

ليه خبّتها عنه؟

فتح باب العربية.

ونزل.

بعد حوالي نص ساعة…

خبط على باب الشقة.

نغم عرفت إنه هو قبل ما تفتح.

فضلت واقفة ورا الباب.

— امشي يا طارق.

صوته جه من الخارج:

— مش همشي.

— زينة تعبانة.

— عشان كده لازم نتكلم.

— مفيش كلام.

سكت ثواني.

ثم قال:

— طيب قوليلي حاجة واحدة وأنا أمشي.

نغم غمضت عينيها.

— إيه؟

— زينة عندها كام سنة؟

— خمس سنين ونص؟

فضلت ساكتة.

— عيد ميلادها إمتى؟

فجأة سمع صوت زينة من جوه:

— ماما… مين؟

نغم ردت:

— ولا حد يا حبيبتي.

لكن زينة قربت من الباب.

— عمو طارق؟

طارق حس قلبه بيتقبض لمجرد سماعها بتنادي اسمه.

نغم فتحت الباب جزء صغير وقالت:

— لو عندك ذرة رحمة، امشي.

بصلها طويلًا.

— عندي رحمة… وعشان كده مش قادر أمشي.

— إنت عايز إيه؟

— الحقيقة.

— الحقيقة مش دايمًا هتعجبك.

— سيبيني أنا أحدد.

نغم ضحكت بمرارة.

— زي زمان؟ إنت اللي تحدد وأنا أنفذ؟

— أنا اتغيرت.

— لأ… إنت بس بقيت أغنى.

الجملة ضربته.

لكنه ما ردش.

قال بهدوء:

— هي بنتي؟

نغم بصت وراها ناحية زينة.

وبعدين رجعت بصتله.

— حتى لو كانت بنتك… إيه اللي هيتغير؟

وشه شحب.

— يعني ممكن تكون بنتي.

استوعبت غلطتها.

حاولت تقفل الباب.

لكنه قال بسرعة:

— مش هلمسك ولا هدخل غصب. بس بكرة الصبح هاجي تاني.

— متجيش.

— هاجي.

— ولو ما فتحتش؟

— هستنى.

— ولو قلتلك ملكش علاقة بينا؟

صوته اتكسر لأول مرة:

— لو هي بنتي، يبقى ضاع مني خمس سنين من عمرها يا نغم.

عينيها لمعت.

— وإنت فاكر الخمس سنين دول كانوا سهلين عليا؟

— أمال ليه؟!

رفعت إيدها بسرعة.

— وطّي صوتك.

طارق سكت.

قالت بصوت مخنوق:

— مش هنا.

— فين؟

— مش دلوقتي.

— إمتى؟

سكتت.

قال:

— بكرة؟

هزت راسها ببطء.

— بعد ما زينة تتحسن.

— وأنا عايز أطمن عليها.

— مش من حقك.

— يمكن يكون من حقي.

نغم كانت هترد…

لكن فجأة جه صوت حاجة وقعت من جوه.

وبعدها صوت زينة:

— ماما…

لفت نغم بسرعة.

زينة كانت واقفة جنب الكنبة، وإيدها ماسكة طرفها، ووشها شاحب جدًا.

— زينة!

جريت عليها.

طارق دخل وراها تلقائيًا.

نغم صرخت:

— ما تدخلش!

لكنه ما سمعهاش.

لأن زينة بدأت تقع.

لحقها قبل ما تخبط في الأرض.

شالها بين إيديه.

كانت خفيفة بشكل خوّفه.

قال بسرعة:

— لازم نروح المستشفى.

نغم حاولت تاخدها منه.

— أنا هتصرف.

— نغم، البنت سخنة جدًا.

— اديني بنتي.

طارق بص في عينيها.

وقال بهدوء شديد:

— مش وقت خناقتنا.

زينة فتحت عينيها بالعافية.

وبصت لطارق.

همست:

— عمو…

— أنا معاكي.

— ماما بتخاف من المستشفيات.

طارق بص لنغم.

لقى وشها أبيض.

قالت بسرعة:

— مفيش داعي للمستشفى. الدكتور قال لو الحرارة زادت أديها…

قاطعها:

— وإنتِ هتجازفي؟

— أنا عارفة حالة بنتي.

— وأنا مش عارف أي حاجة!

صرخها لأول مرة.

وبعدين نزل صوته فورًا.

— أنا مش عارف عنها أي حاجة يا نغم.

نظراتهم اتقابلت.

وفي اللحظة دي، زينة رفعت إيدها الصغيرة ولمست وش طارق.

وقالت بتعب:

— متزعقش لماما.

طارق حس إن نفسه وقف.

مسك إيدها الصغيرة وباسها.

— حاضر.

نغم بصت للمشهد، ودمعة نزلت منها غصب عنها.

بعد عشرين دقيقة…

كانوا داخلين مستشفى خاص قريب.

طارق شايل زينة.

ونغم ماشية جنبه.

أول ما دخلوا الطوارئ، الممرضين اتحركوا بسرعة.

دخلت زينة الكشف.

نغم حاولت تدخل وراها.

لكن الممرضة قالت:

— لو سمحتي استني دقيقة لحد ما الدكتور يكشف عليها.

وقفت نغم قدام الباب.

طارق وقف بعيد عنها.

عدت دقايق طويلة.

وبعدين خرج الطبيب.

— مين والد الطفلة؟

نغم فتحت بقها.

لكن قبل ما تنطق…

طارق قال:

— أنا.

لفت له بصدمة.

الطبيب قال:

— محتاجين نعمل تحاليل وفحوصات بسيطة لأن الحرارة عالية وعندها علامات إجهاد واضحة.

طارق هز راسه.

— اعملوا كل اللي محتاجينه.

نغم قالت:

— لحظة…

لكن الطبيب كان دخل.

لفت لطارق بغضب:

— إنت قلت إنك أبوها على أي أساس؟

قرب منها خطوة.

— على أساس إنك مش قادرة تقوليلي إني مش أبوها.

— ده مش دليل.

— يبقى قوليها.

سكتت.

— بصيلي وقولي: «زينة مش بنتك يا طارق».

نغم حاولت.

فتحت بقها.

لكن الكلمات ما خرجتش.

طارق هز راسه ببطء.

دموعه لمعت لأول مرة.

— خلاص.

نغم قالت:

— متفهمش اللي إنت عايزه.

— طب فهميني.

سكتت.

— ليه خبيتيها عني؟

قالت فجأة:

— لأني كنت بحميها.

اتجمد.

— بتحميها… مني؟

نغم بصتله مباشرة.

— مش منك.

— أمال من مين؟

قبل ما ترد…

باب غرفة الكشف اتفتح.

خرجت ممرضة وقالت:

— مدام نغم؟

— أيوه.

— الدكتور محتاج حضرتك.

جريت نغم ناحية الباب.

لكن الممرضة بصت في الورقة وسألت:

— ووالد زينة موجود؟

نغم وقفت.

طارق رفع عينه.

— موجود.

الممرضة قالت:

— الدكتور محتاجكم أنتم الاتنين.

دخلوا.

زينة كانت نايمة على السرير، ومحلول صغير راكب في إيدها.

طارق وقف عند الباب.

منظر الإبرة في إيد الطفلة خنقه.

الدكتور قال:

— اطمنوا. مفيش حاجة تستدعي الذعر، لكن عندها التهاب محتاج متابعة كويسة، وواضح إنها مرهقة من فترة.

وبعدين سأل:

— عندها أي تاريخ مرضي في العيلة؟

نغم ردت بسرعة:

— من ناحيتي لأ.

الدكتور بص لطارق.

— ومن ناحية الأب؟

طارق سكت.

هو ماكانش عارف يقول إيه.

نغم بصتله.

وبعدين قالت للطبيب:

— ممكن حضرتك تدينا دقيقة؟

خرج الطبيب.

فضلوا التلاتة لوحدهم.

زينة كانت نايمة.

نغم قعدت جنبها ومسحت على شعرها.

طارق وقف في آخر الغرفة.

وبعد لحظات قال:

— لازم أعرف.

نغم ما ردتش.

— مش بكرة. ولا بعد أسبوع.

قرب ببطء.

— دلوقتي.

رفعت نغم عينيها.

قال:

— الدكتور بيسألني عن تاريخ عيلتي الطبي… وأنا مش عارف حتى إذا كان ليا حق أجاوبه.

نغم نزلت عينيها.

عدت ثواني.

ثم قالت:

— تاريخ ميلاد زينة… 17 يناير.

طارق بدأ يحسب في دماغه.

وشه اتغير.

نغم كملت:

— ولما مشيت من بيتك…

صوتها اتهز.

— كنت حامل في آخر الشهر التاني.

طارق حس إن رجليه ما بقتش شايلينه.

مسك ظهر الكرسي.

بصلها.

وبعدين بص للطفلة.

— يعني…

نغم دموعها نزلت.

— أيوه يا طارق.

سكتت لحظة.

ثم قالت الجملة اللي كان مستنيها من ساعة ما شاف زينة:

— زينة بنتك.

طارق ما ردش.

مشى ناحية السرير كأنه مش شايف قدامه.

وقف جنب زينة.

بصلها طويلًا.

لإيديها الصغيرة.

لشعرها.

لعينيها المقفولة.

خمس سنين كاملة مرت عليه في ثانية.

أول خطوة.

أول كلمة.

أول سنة حضانة.

أول مرة سخنت.

أول عيد ميلاد.

كلهم حصلوا…

وهو ماكانش موجود.

نزل على الكرسي جنب السرير.

وحط إيده على بقه.

ولأول مرة من سنين طويلة…

طارق الحربي بكى.

بكى بصمت.

نغم كانت بتبصله، لكن ملامحها ماكانتش ملامح انتصار.

كانت ملامح واحدة عارفة إن الجزء الأصعب لسه ما بدأش.

لأن طارق رفع عينه لها فجأة وقال:

— ليه؟

مسحت دموعها.

— طارق…

— ليه حرمتي بنتي مني؟

نغم قامت.

— أنا ما حرمتهاش منك.

— خمس سنين وأنا معرفش إنها موجودة!

— لأنك ما تعرفش اللي حصل بعد ما خرجت من بيتك.

اتجمد.

— إيه اللي حصل؟

نغم بصت لزينة النائمة.

وبعدين قالت:

— في الليلة اللي كنت هقولك فيها إني حامل… حد سبقني.

قطب حاجبيه.

— مين؟

قالت نغم بصوت خافت:

— والدتك.

طارق وقف.

— أمي؟

هزت رأسها.

— أمك كانت أول واحدة تعرف إني حامل.

— وبعدين؟

نغم بصتله في عينه.

— قالتلي لو قلتلك إن زينة بنتك… عمرك ما هتشوف بنتك وهي بتكبر.

طارق اتسمر مكانه.

— إنتِ بتقولي إيه؟

قالت:

— اللي سمعته.

— أمي هددتك؟

— مش بس هددتني يا طارق.

سكتت لحظة، ثم أضافت:

— هي السبب الحقيقي إني طلبت الطلاق.

وقبل ما يقدر يسألها عن أي حاجة تانية…

زينة فتحت عينيها ببطء.

بصت لأمها.

ثم بصت لطارق.

وقالت بنعاس:

— ماما…

نغم قربت منها.

— نعم يا حبيبتي؟

زينة أشارت لطارق.

— هو ليه بيعيط؟

طارق مسح وشه بسرعة.

لكن زينة مدت إيدها له.

قرب منها.

مسكت صباعه الصغير بإيديها.

وقالت:

— متعيطش يا عمو… أنا بقيت أحسن.

طارق ابتسم وسط دموعه.

وباس إيدها.

ثم رفع عينه لنغم.

لكن السؤال المرة دي ماكانش عن زينة.

كان عن ست سنين كاملة اتسرقت من التلاتة.

وقال بصوت هادي:

— أول ما زينة تتحسن… هتحكيلي كل حاجة حصلت يوم الطلاق.

نغم بصتله طويلًا.

ثم قالت:

— هحكيلك.

وسكتت لحظة قبل ما تضيف:

— بس لما تعرف الحقيقة يا طارق… ممكن تكتشف إن طلاقنا ماكانش أسوأ حاجة عملتها والدتك فينا.

خرجت زينة من المستشفى تاني يوم بعد الضهر.

الحرارة نزلت، والدكتور طمّن نغم إن حالتها مستقرة، لكنه شدد عليها تلتزم بالعلاج وتتابع لو التعب رجع تاني.

وطول الساعات اللي قضوها في المستشفى، طارق تقريبًا ما اتحركش من مكانه.

كان كل شوية يبص لزينة وهي نايمة، كأنه بيحاول يحفظ ملامحها.

وفي مرة فتحت عينيها ولقته قاعد جنب السرير.

قالت بنعاس:

— إنت لسه هنا يا عمو؟

ابتسم.

— أيوه.

— مش عندك بيت؟

نغم غصب عنها ابتسمت.

أما طارق فضحك لأول مرة من قلبه.

— عندي.

زينة فركت عينيها.

— أمال مبتروحش ليه؟

سكت لحظة، وبعدين قال:

— عشان كنت مستني أطمن عليكي.

زينة ابتسمت.

— أنا بقيت كويسة.

وبعدين مدت إيدها ناحية علبة العصير.

طارق سبق نغم وفتحها لها.

أخدتها منه وقالت:

— شكرًا.

الكلمة البسيطة دي عملت فيه حاجة غريبة.

بنته بتقوله شكرًا كأنه راجل غريب.

لأن بالنسبة لها…

هو فعلًا راجل غريب.

لما وصلوا العمارة، طارق نزل من عربيته وفتح الباب الخلفي.

زينة كانت نايمة.

مد إيده عشان يشيلها.

لكن نغم قالت:

— أنا هشيلها.

بصلها.

— نغم، هي نايمة.

— وأنا أمها ومتعودة.

— وأنا…

وقف.

الكلمة كانت عايزة تطلع.

«وأنا أبوها.»

لكنه حس إنه لسه ما كسبش حق يقولها قدام زينة.

قال بهدوء:

— خليكي شايلة العلاج وأنا أشيلها.

نغم ترددت.

لكنها وافقت.

طارق شال زينة بحذر شديد.

رأسها استقرت على كتفه بشكل تلقائي.

وبعد خطوتين، إيديها الصغيرة لفت حوالين رقبته وهي نايمة.

اتجمد.

نغم لاحظت.

قالت:

— مالك؟

هز راسه.

— مفيش.

لكنه كان فيه.

كان فيه خمس سنين كاملة بيحس بيها مرة واحدة.

طلع الأربع أدوار وهو شايلها.

ولأول مرة شاف الشقة بوضوح.

السقف فيه آثار رطوبة.

ترابيزة السفرة صغيرة.

التلاجة قديمة.

وفي جنب الصالة ماكينة خياطة، عليها هدوم أطفال متقصوصة بعناية.

بص لنغم.

— بتشتغلي خياطة؟

حطت الأدوية.

— بعمل تعديلات هدوم، وباخد شغل تفصيل بسيط.

— وإنتِ خريجة إدارة أعمال.

قالتها بمرارة:

— الشهادة مش بتدفع إيجار البيت.

طارق سكت.

بص حواليه تاني.

فوق الحيطة كانت صور زينة.

زينة وهي رضيعة.

زينة في أول عيد ميلاد.

زينة ماسكة بالونة عليها رقم اتنين.

زينة أول يوم حضانة.

زينة في حفلة صغيرة.

طارق قرب من الصور كأنه منوّم.

مد إيده ناحية صورة.

— دي كان عندها كام؟

— سنة.

بص للصورة اللي جنبها.

— ودي؟

— أول يوم حضانة.

— كانت خايفة؟

نغم سكتت.

وبعدين قالت:

— فضلت متعلقة في هدومي ورافضة تدخل.

ابتسم بحزن.

— وبعدين؟

— المدرّسة ادتها عروسة صغيرة، فدخلت.

بص لصورة تانية.

— أول كلمة قالتها كانت إيه؟

نغم فهمت هو بيعمل إيه.

بيجمع عمر بنته سؤال سؤال.

قالت بهدوء:

— ماما.

ضحك طارق.

— طبيعي.

ثم سأل:

— أول مرة مشت؟

— عند 11 شهر تقريبًا.

— وقعت؟

— كتير.

— بتحب إيه؟

— الرسم.

— بتخاف من إيه؟

— صوت الرعد.

طارق بص للشباك.

افتكر المطر امبارح.

وبعدين سأل:

— بتحب تاكل إيه؟

— المكرونة بالبشاميل.

— شبهك.

نغم بصتله.

طارق ابتسم.

— كنتِ بتعمليها كل جمعة.

للحظة…

رجعوا ست سنين لورا.

لكن نغم قطعت اللحظة.

— حط زينة على السرير.

دخل أوضتها.

سرير صغير عليه ملاية وردية.

ألعاب بسيطة.

ورسومات متعلقة على الحيطة.

حطها بهدوء.

وكان هيمشي…

لكن زينة وهي نايمة مسكت طرف قميصه.

طارق وقف.

نغم قربت تفك إيدها.

لكنه همس:

— سيبيها.

قعد جنبها.

فضل ساكت دقيقتين لحد ما إيدها ارتخت.

قام.

وخرجوا للصالة.

أول ما نغم قفلت باب الأوضة…

ملامح طارق اتغيرت.

— دلوقتي احكي.

نغم عرفت إن اللحظة وصلت.

قعدت.

طارق قعد قدامها.

قالت:

— قبل ما أسيب بيتك بتلات أيام… اكتشفت إني حامل.

طارق شد فكه.

— ليه ما قولتيليش؟

— حاولت.

— إمتى؟

ضحكت بوجع.

— فاكر يوم ما كنت مسافر دبي؟

سكت.

افتكر.

كان عنده صفقة مهمة.

قال:

— أيوه.

— كنت مستنياك ترجع من الشغل عشان أقولك.

— بس أنا سافرت بدري.

— بعد مكالمة من والدتك.

طارق قطب حاجبيه.

نغم كملت:

— هي كانت عندنا في البيت وقتها. شافت تحليل الحمل.

— إزاي؟

— كنت سايباه في درج أوضتي. دخلت وهي بتدور على حاجة… أو ده اللي قالته.

طارق قال:

— وبعدين؟

نغم بصت ناحية أوضة زينة.

— قالتلي إن الحمل ده لازم ما يكملش.

طارق قام مرة واحدة.

— إيه؟!

— اقعد يا طارق.

— أمي قالتلك تتخلصي من ابني؟!

— قالت إن الطفل هيعطل مستقبلك، وإنك داخل على مرحلة مهمة في شغلك.

— وإنتِ صدقتيها؟

— طبعًا لأ.

— طب إيه اللي حصل؟

نغم أخدت نفس طويل.

— قلتلها إن القرار مش قرارها. وإن أول ما ترجع هقولك.

سكتت.

— ساعتها ضحكت.

طارق حس ببرودة في جسمه.

— قالت إيه؟

نغم بصتله مباشرة.

— قالتلي: «طارق مش هيرجعلك زي ما إنتِ متخيلة.»

— معنى إيه؟

— قالت إنك قررت تنفصل عني.

طارق ضرب كفه في الترابيزة.

— كذب!

— أنا عارفة دلوقتي.

— وأنا عمري ما قلت كده!

— دلوقتي عارفة.

طارق وقف يتحرك بعصبية.

— كان لازم تكلميني.

نغم رفعت صوتها لأول مرة:

— كلمتك!

وقف.

— إيه؟

— اتصلت بيك 17 مرة.

طارق سكت.

نغم كملت:

— تليفونك كان مقفول.

افتكر السفر.

افتكر إن والدته كانت هي اللي رتبت وقتها كل تفاصيل الرحلة مع مساعده.

قال:

— كان عندي رقم تاني.

— ماكنتش أعرفه.

— كان ممكن…

قاطعته:

— استنى لما تسمع الباقي.

سكت.

قالت:

— تاني يوم، والدتك رجعت ومعاها محامي.

— محامي؟

— ومعاه أوراق طلاق.

طارق قرب منها.

— أنا ما وكلتش محامي وقتها.

— المحامي قال إنك إنت اللي باعت الأوراق.

طارق وشه بدأ يشحب.

— اسمه إيه؟

— مش فاكرة اسمه كامل… لكن اسمه الأول كان شريف.

طارق همس:

— شريف منصور؟

نغم بصتله.

— تقريبًا.

طارق حط إيده على رأسه.

شريف منصور كان محامي قديم اشتغل فترة قصيرة مع شركة والده.

وكان قريب جدًا من والدته.

قال:

— كملي.

نغم بلعت ريقها.

— رفضت أمضي.

— كويس.

— ساعتها أمك طلعت ظرف.

— فيه إيه؟

— صور.

طارق قلبه دق بسرعة.

— صور إيه؟

— صور ليك مع ست في دبي.

طارق اتجمد.

— ست مين؟

— معرفش.

— شكلها؟

— شقراء… وكانت داخلة معاك فندق.

طارق سكت ثواني.

ثم قال:

— كانت مديرة الاستثمار في الشركة اللي بنتفاوض معاها. وكان معانا وفد كامل.

نغم ابتسمت بمرارة.

— الصورة ماكانش فيها الوفد.

طارق فهم.

صور متقصودة.

زوايا محسوبة.

قال:

— وبعد الصور؟

— تسجيل صوتي.

— بصوت مين؟

— صوتك.

رفع عينه لها.

— بيقول إيه؟

نغم ما نسيتش الجملة رغم مرور السنين.

— «أنا تعبت من الجوازة دي… وعايز أبدأ من جديد.»

طارق قرب منها.

— أنا قلت الجملة دي فعلًا.

نغم اتجمدت.

كمل بسرعة:

— بس مش عنك!

— إيه؟

— كنت بتكلم عن صفقة استحواذ اسم المشروع الداخلي بتاعها «Marriage». كنا بنهزر إن الشراكة بين الشركتين جوازة فاشلة. التسجيل اتقص.

نغم سكتت.

طارق قال:

— حد أخد جملة من نص مكالمة وركبها ضدك.

دموعها بدأت تنزل.

— أنا كنت حامل… لوحدي… وإنت مش موجود… وأمك بتقولي إنك مش عايزني.

طارق قعد قدامها.

— وبرضه كان لازم تستنيني.

ضحكت بوجع.

— استنيتك.

— قد إيه؟

— يومين.

— وبعدين؟

ملامحها اتغيرت.

وهنا عرف إن الجزء الأسوأ لسه جاي.

قال:

— إيه اللي حصل يا نغم؟

ردت:

— صحيت بالليل على وجع شديد.

طارق وشه اتغير.

— في الحمل؟

هزت راسها.

— ونزيف.

— عملتي إيه؟

— نزلت لوحدي.

— لوحدك؟!

— السواق رفض يوصلني.

— ليه؟

— قال إن والدتك قالت محدش يخرج عربية من الفيلا عشاني.

طارق قبض إيده.

— مستحيل.

نغم قامت.

— كل حاجة بالنسبالك مستحيل… لأنها ما حصلتش قدامك.

سكت.

قالت:

— طلبت تاكسي وروحت المستشفى.

صوتها بدأ يضعف.

— والدكتورة قالت إن الحمل مهدد.

طارق قعد ببطء.

نغم كملت:

— وأنا نايمة هناك… والدتك جاتلي.

— للمستشفى؟

— أيوه.

— عرفت إزاي؟

— لحد النهارده معرفش.

طارق بدأ يحس إن الموضوع أكبر من مجرد أم متسلطة.

— قالتلك إيه؟

نغم مسحت دموعها.

— حطت أوراق الطلاق قدامي وقالت: «امضي وخدي اللي إنتِ عايزاه وامشي.»

— وإنتِ؟

— رفضت.

— وبعدين؟

— قالتلي إن لو فضلت متمسكة بيك، هتثبت إن الطفل مش ابنك.

طارق اتجمد.

— قالت كده؟

— وقالت إن عندها علاقات ومحامين وإنها هتخليني ألف في المحاكم سنين.

صوت طارق خرج مخنوق:

— وإنتِ صدقتي إنها تقدر تعمل ده؟

— وقتها كنت عندي 25 سنة يا طارق. إنت كنت كل عيلتي تقريبًا. وهي كانت بتتحكم في البيت والشركة والفلوس وكل حاجة حواليك.

سكتت لحظة.

— وبعدين قالت جملة عمري ما نسيتها.

— إيه؟

— «لو بتحبي الطفل اللي في بطنك، ابعدي بيه عن عيلتنا.»

طارق لف وشه.

مقدرش يبصلها.

نغم قالت:

— مضيت أوراق الانفصال بعد ما رجعت البيت.

— ومشيتي.

— أيوه.

— من غير ما تستنيني.

— كنت فاكرة إنك عارف.

طارق لف لها بسرعة.

— رجعت بعد أربعة أيام!

— وأنا كنت مشيت.

— دورت عليكي!

— فين؟

السؤال وقفه.

قال:

— عند أهلك.

— وأنت عارف إن علاقتي بيهم كانت مقطوعة.

— سألت صحابك.

— أصحابك إنت، مش أصحابي.

طارق سكت.

لأول مرة فهم قد إيه كان بحثه عنها سطحي.

كان مقتنع إنها اختارت تختفي.

وكان كبرياؤه أكبر من خوفه عليها.

قال:

— وأمي قالتلي إنك سافرتي.

نغم ضحكت بمرارة.

— وأنا كنت على بعد ساعة منك.

طارق قعد.

وحط رأسه بين إيديه.

— يا نهار أسود…

سكتوا.

بعد شوية رفع عينه.

— ليه ما رجعتيش لما زينة اتولدت؟

نغم بصتله.

— حاولت.

— إيه؟

— بعد ولادتها بأسبوعين، بعتلك جواب.

— عمره ما وصل.

— عارفة.

— عرفتي منين؟

— لأنه رجعلي بعد شهر.

— إزاي؟

نغم قامت ودخلت أوضتها.

رجعت بعد دقيقة بصندوق صغير.

فتحته.

طلعت ظرف قديم.

ناولته له.

طارق أخده.

كان عليه اسمه.

«المهندس طارق الحربي».

وفي الركن ختم بريد قديم.

وعليه كلمة:

«مرفوض الاستلام».

طارق حس قلبه وقع.

— أنا ما رفضتش أي جواب.

— عارفة.

قلب الظرف.

وكان فيه توقيع صغير.

بص له.

وشه اتغير.

نغم قالت:

— عرفت التوقيع؟

طارق ما ردش.

لأنه عرفه.

كان توقيع مدير أمن الفيلا القديم.

الرجل اللي اشتغل مع والدته أكتر من عشرين سنة.

فتح الظرف بإيد مرتعشة.

جواه صورة طفلة رضيعة.

وعلى ظهرها مكتوب:

«دي زينة يا طارق… بنتك.»

طارق قعد.

فضل باصص للصورة.

— دي أول صورة ليها؟

— كان عندها 14 يوم.

مرر صباعه على الصورة.

— وأنا كنت فين؟

قالت نغم:

— في نفس المدينة.

الكلمة قت/لته.

لكن فجأة افتكر حاجة.

رفع رأسه.

— قلتي إن الجواب رجعلك بعد شهر.

— أيوه.

— مين رجعه؟

نغم سكتت.

— نغم… مين؟

قالت:

— راجل جه لحد البيت.

— تعرفيه؟

— لأ.

— قالك إيه؟

نغم اترددت.

— قاللي أبطل أحاول أوصل لك.

طارق وقف.

— وبعدين؟

— قال إن المرة الجاية مش هيكون فيه جواب بيرجع.

— يعني إيه؟

— فهمت قصده.

طارق بدأ يمشي ناحية الباب.

نغم وقفت.

— رايح فين؟

— عند أمي.

جريت وقفت قدامه.

— لأ.

— ابعدي يا نغم.

— مش هتروح دلوقتي.

— الست دي حرمتني من بنتي خمس سنين!

— وإنت فاكر إنك لما تروح تصرخ في وشها هتعترف؟

وقف.

نغم قالت:

— أمك مش غبية.

طارق بص لها.

— لو عرفت إننا اتقابلنا، أول حاجة هتعملها إنها تمسح أي دليل لسه موجود.

طارق سكت.

كانت عندها حق.

رجع خطوتين.

وفجأة سمعوا صوت صغير من وراهم:

— ماما؟

لفوا.

زينة كانت واقفة عند باب أوضتها.

حاضنة الدبدوب بتاعها.

— صحيتِ ليه يا حبيبتي؟

قالت:

— عطشانة.

نغم راحت لها.

لكن زينة كانت باصة لطارق.

قالت:

— عمو طارق…

— نعم؟

— إنت زعلان تاني؟

نزل لمستواها.

— شوية.

زينة قربت منه.

— ماما بتقول لما أبقى زعلانة أحضنها.

نغم وقفت مكانها.

أما طارق، فما عرفش يرد.

زينة مدت دراعها الصغير.

— ممكن أحضنك لو عايز.

طارق بص لنغم.

وبعدين رجع بصلها.

فتح دراعه.

زينة حضنته.

حضن بسيط جدًا.

طفلة بتحاول تواسي راجل فاكرة إنه مجرد صديق قديم لأمها.

لكن بالنسبة لطارق…

كان أول حضن من بنته.

غمض عينيه.

وضمها بحذر.

دمعة نزلت منه على شعرها.

زينة همست:

— خلاص متزعلش.

قال بصوت مبحوح:

— حاضر.

بعد شوية رجعت زينة نامت.

طارق وقف عند باب الشقة.

قال لنغم:

— مش هقول لأمي حاجة.

— كويس.

— لكن هعرف الحقيقة كلها.

نغم قالت:

— وأنا عايزة أعرفها زيك.

— وفي حاجة تانية.

— إيه؟

— مش هختفي من حياة زينة تاني.

وش نغم اتشد.

— إحنا لسه ما اتفقناش على حاجة.

— مش بطلب آخدها منك.

— أمال؟

— بطلب فرصة أعرف بنتي.

نغم سكتت.

قال:

— خمس سنين فاتوا. مش هقدر أرجعهم. لكن مش هقبل أخسر سنة سادسة.

نغم بصت ناحية أوضة زينة.

— زينة مش لعبة يا طارق. مينفعش تدخل حياتها مرة واحدة وتقول لها أنا أبوكي.

— عارف.

— ولو دخلت حياتها، مينفعش تختفي لما شغلك يشغلك.

الكلمة وجعته.

قال:

— مش هختفي.

— متوعدش بحاجة إنت مش قدها.

طارق قرب من الباب.

— المرة دي هثبتلك بالفعل.

وخرج.

بعد ساعة…

عربية طارق وقفت قدام الفيلا اللي عاش فيها طفولته.

لكنه ما دخلش.

فضل جوه العربية.

اتصل برقم.

رد عليه صوت رجل:

— أيوه يا باشمهندس؟

قال طارق:

— معتز، عايزك تعمل حاجة بسرية تامة.

— تحت أمرك.

— عايز كل سجلات الأمن القديمة للفيلا من ست سنين.

— ليه؟

— من غير أسئلة.

— حاضر.

— وكمان عايز كل الملفات القديمة للمحامي شريف منصور اللي

خصني أو تخص نغم.

— تمام.

طارق سكت لحظة.

ثم قال:

— وعايز أعرف مين كان بيتابع نغم بعد الطلاق.

معتز اتفاجئ.

— يتابعها؟

— سمعتني.

— حاضر.

وقبل ما يقفل، طارق قال:

— معتز…

— نعم؟

— محدش يعرف إني طلبت الكلام ده.

— حتى مدام سهير؟

طارق بص ناحية الفيلا.

شباك أوضة والدته كان منور.

قال ببرود:

— خصوصًا أمي.

قفل.

لكن اللي طارق ماكانش يعرفه…

إن والدته كانت واقفة فعلًا عند الشباك.

وإن مدير الأمن الجديد كان كلمها من عشر دقايق.

وقال لها:

— مدام سهير… المهندس طارق واقف بعربيته بره الفيلا بقاله فترة.

سهير قربت من الزجاج.

— لوحده؟

— أيوه.

سكتت.

وبعدين سألت:

— كان فين طول الليل؟

— مش عارفين.

— اعرف.

قفلت التليفون.

وفي نفس اللحظة، وصلتها رسالة من رقم قديم ما اتصلش بيها من سنين.

فتحتها.

كان مكتوب فيها:

«طارق قابل نغم.»

سهير اتجمدت.

بعدها وصلت رسالة تانية:

«وشاف البنت.»

لون وشها اختفى.

قعدت ببطء على الكرسي.

وهمست:

— مستحيل…

لكن الرسالة التالتة كانت الأسوأ:

«هو بدأ يسأل عن اللي حصل من ست سنين.»

سهير مسكت الموبايل بقوة.

وبعد لحظات اتصلت برقم محفوظ عندها من غير اسم.

أول ما الطرف التاني رد، قالت:

— إحنا عندنا مشكلة.

الصوت سأل:

— إيه اللي حصل؟

سهير بصت من الشباك لعربية ابنها.

وقالت:

— طارق عرف إن عنده بنت.

سكت الرجل لحظة.

ثم قال:

— ونغم قالتله إيه؟

سهير ردت:

— لسه معرفش.

— يبقى لازم تعرفي قبل ما هو يعرف.

سهير همست:

— ولو عرف الحقيقة كلها؟

جاءها الرد باردًا:

— ساعتها مش إنتِ بس اللي هتخسري يا سهير.

قفلت المكالمة.

لكنها ما لاحظتش إن باب الغرفة كان مفتوحًا قليلًا.

وإن شخصًا كان واقفًا في الممر…

وسمع آخر جملة كاملة.

طارق.

كان دخل الفيلا من الباب الجانبي من غير ما الأمن يبلغها.

وقف مكانه في الظلام.

وشه ما اتحركش.

لكنه فهم حاجة واحدة.

أمه مش بس عارفة إن نغم رجعت لحياته.

في شخص تاني معاها.

وشخص واضح إنه خايف من الحقيقة زيها بالظبط.

طارق رجع خطوة للخلف بهدوء قبل ما تشوفه.

وأخرج موبايله.

كتب لمعتز رسالة واحدة:

«غيّر الخطة. مش عايزك تدور على نغم بس… عايز تعرف مين الشخص اللي أمي كانت بتكلمه دلوقتي.»

وبعد أقل من دقيقة…

وصل الرد:

«حاضر.»

طارق بص ناحية باب أوضة أمه.

وهمس لنفسه:

— المرة دي… أنا اللي هعرف كل حاجة قبل ما تعرفوا إني بدور.

لكن في شقة نغم، كان فيه شيء أخطر بيحصل.

نغم كانت بترتب هدوم زينة لما موبايلها رن.

رقم مجهول.

رفضت المكالمة.

رن تاني.

رفضته.

وفي المرة التالتة وصلتها رسالة.

فتحتها.

وتجمدت.

«واضح إنك نسيتي الاتفاق القديم.»

إيديها بدأت ترتعش.

وصلت رسالة تانية.

«طارق لازم يفضل بعيد عن زينة.»

نغم بصت ناحية باب أوضة بنتها.

ثم وصلت صورة.

صورة متصورة من بعيد…

لها ولطارق وهما خارجين من المستشفى، وطارق شايل زينة بين إيديه.

نغم حطت إيدها على بقها.

والرسالة الأخيرة ظهرت:

«المرة دي… لو ما بعدتيش، الثمن مش هتدفعيه إنتِ.»

وفي اللحظة دي…

سمعت نغم صوت زينة من أوضتها:

— ماما…؟

جريت عليها.

فتحت الباب.

ولقتها واقفة عند الشباك.

قالت زينة ببراءة:

— الراجل اللي تحت ده واقف بيبص على شباكنا ليه؟

قلب نغم وقف.

قربت ببطء من الشباك…

وبصت لتحت.

كان فيه راجل واقف على الناحية التانية من الشارع.

لابس جاكيت أسود.

وأول ما شاف نغم…

ركب عربيته ومشي.

نغم قفلت الستارة بسرعة.

حضنت زينة.

ولأول مرة من ست سنين…

فهمت إن السر اللي هربت عشانه زمان…

لسه ما انتهيش.

وإن رجوع طارق لحياتهم ما فتحش باب الماضي وبس.

ده فتح باب كان فيه حد مستعد يعمل أي حاجة علشان يفضل مقفول.

نغم فضلت حاضنة زينة بقوة لدرجة إن البنت بدأت تتحرك بين إيديها.

— ماما… إنتِ بتوجعيني.

فكت نغم إيديها بسرعة.

— حقك عليا يا حبيبتي.

زينة بصت ناحية الشباك.

— الراجل مشي؟

— أيوه.

— كان مين؟

نغم حاولت تبتسم.

— معرفش… يمكن مستني حد من العمارة.

لكنها كانت عارفة إن ده كذب.

الرسالة على موبايلها كانت واضحة:

«المرة دي الثمن مش هتدفعيه إنتِ.»

بصت لزينة.

ولأول مرة، خوفها من رجوع طارق بقى أقل من خوفها من بقائها لوحدها.

مسكت الموبايل.

اترددت لحظة.

ثم اتصلت بطارق.

رد من أول رنة.

— نغم؟

صوتها المرتعش خلاه يقوم من مكانه فورًا.

— في إيه؟

— طارق…

— مالك؟

— في حد بيراقب البيت.

سكت ثانية واحدة.

— اقفلي الباب ومتفتحيش لحد.

— أنا خايفة على زينة.

— أنا جاي.

— طارق…

لكنه كان قفل بالفعل.

بعد أقل من عشرين دقيقة، كان واقف قدام باب الشقة.

أول ما نغم فتحت، دخل وبص ناحية زينة.

كانت قاعدة على الكنبة بترسم.

اطمأن إنها كويسة.

قال:

— وريني الرسائل.

ناولته الموبايل.

قرأهم مرة.

وبعدين مرة تانية.

وشه ما اتحركش.

لكن نغم كانت تعرفه كويس.

طارق لما يغضب بجد…

بيهدأ.

قال:

— الرقم ده اتصل قبل كده؟

— لأ.

صور الشاشة وبعتها لمعتز.

وبعدين قال:

— لمي حاجتك.

— ليه؟

— هتمشوا من هنا.

نغم اتشدت.

— هنروح فين؟

— مكان آمن.

— مش الفيلا.

— ما قلتش الفيلا.

— وأنا مش هعيش في بيت تابع لعيلتك.

بصلها.

— نغم، مش وقت العناد.

— وأنا مش هحط بنتي تحت سقف والدتك.

قرب منها.

— ولا أنا هحطها تحت سقف أمي.

سكتت.

قال:

— عندي شقة خاصة محدش من العيلة يعرف إني بستخدمها. هتروحوا هناك كام يوم لحد ما أعرف مين ورا الرسائل.

— وإنت؟

— هفضل معاكو.

رفعت حاجبها.

— لأ.

— في أوض كتير.

— برضه لأ.

طارق بص ناحية زينة وقال:

— اللي بعت الرسالة عارف مكان بيتك، وعارف المستشفى اللي كنتوا فيه، وعارف إني معاكو.

خفض صوته:

— مش هسيب بنتي هنا الليلة.

سمعت زينة آخر كلمة.

رفعت رأسها من الرسم.

— بنتك؟

الصمت وقع فجأة.

نغم شحب وشها.

طارق لف ببطء.

زينة قامت.

— إنت قلت بنتي؟

نغم قالت بسرعة:

— زينة…

لكن البنت بصت لطارق.

— عندك بنت؟

طارق نزل لمستواها.

بص لنغم كأنه بيطلب منها الإذن.

نغم غمضت عينيها للحظة.

ثم هزت رأسها.

طارق رجع بص لزينة.

— عندي.

ابتسمت.

— اسمها إيه؟

صوته اتكسر.

— زينة.

البنت ضحكت.

— زيي!

ابتسم وسط دموعه.

— هي إنتِ.

ابتسامتها اختفت.

بصت لأمها.

ثم له.

— يعني إيه؟

نغم قعدت جنبها.

مسكت إيدها.

— يعني عمو طارق…

سكتت.

الكلمة كانت أصعب مما توقعت.

طارق قال بهدوء:

— أنا باباكي يا زينة.

البنت فضلت ساكتة.

بصتله طويلًا.

ثم سألت سؤالًا ق/تل كل حاجة جواه:

— طب كنت فين؟

طارق ما عرفش يرد.

نغم ضمتها.

قال طارق بصوت مبحوح:

— ماكنتش أعرف إنك موجودة.

— إزاي؟

— حصلت مشاكل كبيرة بيني وبين ماما قبل ما إنتِ تتولدي.

زينة فكرت شوية.

ثم قالت:

— يعني إنت ما سبتنيش؟

دموع طارق نزلت.

— لأ.

هزت رأسها.

ثم قالت ببساطة الأطفال:

— خلاص.

طارق ضحك وسط بكاه.

— خلاص؟

— أيوه… بس متروحش تاني.

مد إيده.

— أوعدك.

زينة بصت لإيده.

ثم رمت نفسها في حضنه.

المرة دي ماكانش «عمو طارق».

كان أبوها.

ونغم وقفت تبص عليهم…

وهي بتعيط في صمت.

نقلهم طارق في نفس الليلة.

وفي الصبح، معتز اتصل.

— وصلنا للرقم.

— مين؟

— شريحة غير مسجلة باسم واضح، لكن قدرنا نوصل للعربية اللي كانت تحت بيت مدام نغم.

— بتاعة مين؟

— شخص اسمه حسام الديب.

طارق وقف.

الاسم كان مألوفًا.

— أعرفه.

— كان شغال زمان مع مكتب شريف منصور.

طارق فهم الخيط.

المحامي.

مدير الأمن القديم.

والدته.

كلهم مربوطين ببعض.

قال:

— عايز شريف.

معتز سكت.

— فيه مشكلة.

— إيه؟

— شريف منصور مات من سنتين.

طارق اتصدم.

— طب ملفاته؟

— مكتبه اتقفل، لكن شريكه القديم لسه محتفظ بأرشيف.

— هاته.

— قانونيًا مش هنقدر ناخد حاجة مش من حقنا.

طارق قال:

— مش عايز حد يعمل حاجة غلط. دور على أي مستند يخصني ويحق لي الحصول عليه، وأي شاهد مستعد يتكلم رسمي.

— تمام.

وقبل ما يقفل معتز قال:

— فيه حاجة تانية.

— إيه؟

— حسام الديب كان بيتقاضى مبالغ شهرية لمدة خمس سنين.

— من مين؟

— شركة استشارات مملوكة لشخص اسمه فؤاد عزمي.

طارق اتجمد.

فؤاد عزمي.

صديق والده القديم.

والرجل اللي أمه كانت مصرة من سنين إن طارق يتجوز بنته.

في المساء، رجع طارق للشقة.

لقى زينة مستنياه عند الباب.

أول ما دخل قالت:

— بابا!

الكلمة خلته يقف.

أول مرة يسمعها.

نغم نفسها اتفاجئت.

طارق نزل على ركبته.

— قوليها تاني.

زينة ضحكت.

— بابا.

حضنها.

وقال:

— نعم يا قلب بابا؟

قالت:

— أنا جعانة.

ضحكت نغم غصب عنها.

طارق قال:

— أول طلب من بنتي طلع أكل؟

قالت زينة:

— ماما قالت إنك غني.

نغم شهقت:

— أنا ما قلتش كده!

زينة ضحكت.

ولأول مرة من سنين…

البيت الصغير المؤقت بقى فيه صوت ضحك التلاتة.

لكن بعد ما زينة نامت، رجعت الحقيقة.

طارق قال لنغم:

— عرفت اسم الشخص اللي ورا الراجل.

— مين؟

— فؤاد عزمي.

وش نغم اتغير.

طارق لاحظ.

— تعرفيه؟

سكتت.

— نغم؟

قالت:

— شوفته مرة.

— فين؟

— المستشفى يوم ما كنت حامل.

طارق قرب منها.

— كان مع أمي؟

— لأ. جه بعدها.

— وقالك إيه؟

— سألني إذا كنت مضيت الطلاق.

طارق قبض إيده.

— وإنتِ؟

— سألته مالك. قال إن الأفضل لينا كلنا إن علاقتي بيك تنتهي.

— ليه؟

— معرفش.

طارق عرف إنه لازم يواجه الماضي.

لكن المرة دي بالدليل.

مش بالصوت العالي.

بعد يومين، معتز وصل للمعلومة اللي غيرت كل شيء.

فؤاد عزمي كان شريكًا غير معلن في صفقة كبيرة جدًا دخلتها شركة طارق وقتها.

وكان شرط المستثمرين الأساسي إن السيطرة الإدارية تفضل في إيد العيلة.

لكن والد طارق كان كاتب جزءًا من أسهمه في عقد قديم بطريقة كانت هتدي زوجة طارق وأولاده حقوقًا مالية كبيرة في حالة وفاته.

ونغم كانت حامل.

وجود طفل كان معناه إن جزءًا من السيطرة المستقبلية على ثروة العيلة هينتقل للوريث.

وفؤاد كان عايز ابنته تتجوز طارق.

مش حبًا فيه.

لكن عشان المصالح تفضل متشابكة.

والدة طارق وافقت على الخطة لأنها كانت شايفة نغم «مش مناسبة» للعيلة.

لكن اللي بدأ كمؤامرة لتفريق زوجين…

اتحول لسنين من التهديد والمراقبة.

طارق كان بيقرأ المستندات وإيده بترتعش.

قال لمعتز:

— معانا دليل على التهديدات؟

— الرسائل الأخيرة، وصور المراقبة، وشهادة موظف قديم من مكتب المحامي. ومستندات مالية تربط حسام بفؤاد. لكن تحديد المسؤولية القانونية محتاج الجهات المختصة تحقق.

طارق هز رأسه.

— يبقى نسلم كل حاجة رسمي.

— ووالدتك؟

طارق سكت.

— هتكلم معاها مرة واحدة.

دخل فيلا والدته عصر اليوم التالي.

سهير كانت مستنياه.

قالت ببرود:

— أخيرًا افتكرت إن ليك أم.

طارق حط ظرفًا على الترابيزة.

— وأنا اكتشفت إن ليا بنت.

وشها اتغير لثانية.

ثم تماسكت.

— نغم قالتلك؟

— بنتي اسمها زينة.

— طارق…

— خمس سنين.

سكتت.

— خمس سنين يا أمي.

قالت:

— أنا عملت اللي كنت شايفاه صح.

ضحك بمرارة.

— صح لمين؟

— ليك.

— حرمتيني من بنتي عشاني؟

— نغم ماكنتش مناسبة لحياتنا.

— حياتنا؟ دي كانت مراتي.

— وكانت هتضيع مستقبلك.

طارق ضرب كفه على الترابيزة.

— إنتِ اللي ضيعتي خمس سنين من مستقبلي!

سهير قامت.

— متعليش صوتك عليا.

— وأنا طفل لما تتحكمي في حياتي؟

قالت بغضب:

— أنا بنيت كل حاجة حواليك!

— وأنا ما طلبتش منك تهديلي بيتي.

سكتت.

طارق فتح الظرف.

طلع صورة زينة الرضيعة.

الصورة اللي نغم بعتها من سنين.

حطها قدام أمه.

— شوفيها.

سهير ما بصتش.

— بصي لها!

رفعت عينيها للصورة.

لأول مرة ملامحها انهارت.

طارق قال:

— كان عندها 14 يوم لما الصورة دي وصلت باب بيتي.

دموع سهير ظهرت.

— أنا…

— وإنتِ رجعتيها.

— كنت خايفة.

— من إيه؟ من طفلة؟

قالت:

— من فؤاد.

طارق سكت.

— إيه؟

سهير قعدت.

وفجأة الست القوية اللي طول عمره يعرفها اختفت.

قالت:

— الموضوع خرج من إيدي.

طارق قرب.

— من البداية.

قالت:

— أنا كنت عايزة نغم تبعد. أيوه. وأنا اللي وريتها الصور والتسجيل.

غمض عينيه.

اعترفت.

كملت:

— لكن فؤاد كان عارف موضوع الحمل.

— إزاي؟

— المحامي قاله.

— وليه كان مهتم؟

— عشان الأسهم.

طارق قال:

— عارف.

سهير رفعت عينيها بصدمة.

— عرفت؟

— كملي.

— لما نغم رفضت تمضي في الأول، فؤاد قال إنه هيتصرف.

— يعني إيه يتصرف؟

— معرفتش وقتها.

— متكدبيش.

قالت وهي بتعيط:

— أقسم لك ما كنتش أعرف إنه هيخوفها بالشكل ده.

— لكنك سكتي.

سهير ما ردتش.

— خمس سنين يا أمي.

قالت:

— كنت كل سنة أقول هصلح اللي حصل.

— إزاي؟ زينة تكبر فجأة وتبقى رضيعة تاني؟

سكتت.

طارق أخذ الظرف.

— من النهارده، أي تواصل بينك وبين نغم أو زينة هيكون بموافقة نغم.

سهير شهقت:

— دي حفيدتي.

طارق بص لها.

— وهي بنتي.

ثم قال:

— وكل المستندات اللي عندي هتتسلم للجهات المختصة. واللي عمل حاجة مخالفة للقانون يتحمل مسؤوليتها.

سهير بكت.

— هتبلغ عن أمك؟

قال بهدوء:

— أنا مش هخبي دليل عشان حد. التحقيق هو اللي يحدد مسؤولية كل شخص.

ومشي.

التحقيقات استمرت شهور.

فؤاد حاول ينكر.

حسام قال إنه مجرد موظف.

وكل طرف حاول يحمل الطرف التاني المسؤولية.

لكن الرسائل والسجلات المالية وشهادات الموظفين القديمة فتحت الملف من جديد.

طارق ما حاولش ينتقم بنفسه.

ساب الأمر للمحامين والجهات المختصة.

أما هو…

فكان عنده شيء أهم.

كان بيتعلم يبقى أب.

أول أسبوع، وصل لزينة الصبح بعربية ضخمة مليانة ألعاب.

نغم وقفت عند الباب وقالت:

— رجعهم.

— ليه؟

— عشان بنتك مش محتاجة تشتري حبها.

طارق بص للعربية.

— أنا بس…

— عايز تعوض خمس سنين في يوم.

سكت.

قالت:

— متعوضهاش بفلوس.

— أعمل إيه؟

قالت:

— اقعد معاها.

وفعل.

رجع الألعاب كلها إلا علبة ألوان زينة اختارتها.

وقعد ساعتين على الأرض يرسم معاها.

رسم قطة شكلها أقرب للبطاطس.

زينة ضحكت لحد ما دموعها نزلت.

وقالت:

— بابا إنت مبتعرفش ترسم خالص.

قال:

— أول مرة حد يقيمني بمنتهى الصراحة.

نغم كانت واقفة عند باب المطبخ.

وابتسمت من غير ما تحس.

مرت الشهور.

زينة اتحسنت.

طارق بقى يوصلها الحضانة أحيانًا.

يحضر مواعيد الدكتور.

يسأل عن علاجها.

يتعلم هي بتحب إيه وبتكره إيه.

وأصعب حاجة اتعلمها…

إن الأبوة مش لقب.

الأبوة حضور.

في يوم كانت زينة عندها حفلة في الحضانة.

طارق كان عنده اجتماع مهم جدًا في نفس التوقيت.

نغم قالت:

— لو مش هتعرف تيجي قول لها من دلوقتي.

قال:

— هاجي.

— متوعدهاش لو مش متأكد.

بصلها.

— قلت هاجي.

الساعة بقت أربعة.

كل الأهالي موجودين.

وزينة واقفة ورا الستارة كل شوية تبص ناحية الباب.

قالت:

— ماما… بابا مش جاي؟

قلب نغم اتقبض.

قبل ما ترد…

الباب اتفتح.

طارق دخل وهو تقريبًا بيجري.

رابطته في إيده.

وقميصه متكرمش.

زينة صرخت:

— بابا!

كل الناس بصت.

لكنه ما اهتمش.

قعد في أول كرسي فاضي.

زينة طلعت على المسرح.

وطول العرض كانت عينيها عليه.

بعد ما خلصت، جريت عليه.

— شوفتني؟

قال:

— شوفت أحلى واحدة في الحفلة.

— أنا غلطت مرتين.

— وأنا ماخدتش بالي.

قالت بفخر:

— عشان بتحبني.

بصلها.

— جدًا.

نغم سمعت.

وفي اللحظة دي…

جزء صغير من الحائط اللي بنته حوالي قلبها بدأ يقع.

بعد سنة تقريبًا…

علاقة طارق بأمه فضلت محدودة.

سهير بدأت تحاول تصلح اللي عملته، لكن نغم رفضت إن زينة تدخل في أي صراع.

ولما طلبت سهير تشوف حفيدتها، نغم قالت لطارق:

— القرار مش انتقام.

— عارف.

— لو هتشوفها، لازم زينة ما تسمعش أي كلام عن الماضي.

— موافق.

أول لقاء كان في مكان عام.

سهير شافت زينة جاية ناحية الترابيزة.

فضلت واقفة.

زينة بصت لها.

ثم بصت لطارق.

— دي مين؟

طارق قال:

— دي جدتك.

سهير انهارت في العياط.

زينة قربت منها ببطء.

وقالت:

— إنتِ بتعيطي ليه؟

سهير مسحت دموعها.

— عشان عملت غلطات كتير.

زينة قالت:

— ماما بتقول لما نغلط نقول آسفين.

سهير بصت لنغم.

وقالت:

— آسفة.

نغم ما قالتش «مسامحاكي».

لأن بعض الجروح مش بتتقفل بكلمة.

لكنها قالت:

— المهم زينة ما تدفعش تمن حاجة حصلت قبل ما تتولد.

سهير هزت رأسها.

— عمرها.

مرت سنتين.

طارق ما ضغطش على نغم ترجعله.

ولا مرة.

بالعكس…

كان بيحاول يصلح نفسه قبل ما يصلح جوازهم.

وفي ليلة، بعد ما رجعوا من عيد ميلاد زينة السابع، كانت البنت نايمة في العربية.

طارق وصلهم البيت.

نغم كانت هتنزل.

قال:

— نغم.

— نعم؟

— ممكن أسألك سؤال؟

— قول.

— فيه فرصة؟

بصتله.

— لإيه؟

— لينا.

سكتت طويلًا.

قال بسرعة:

— مش بقول نرجع بكرة. ومش عشان زينة. أنا عايز أعرف بس إذا كان فيه يوم ممكن تبصيلي فيه من غير ما تشوفي الراجل اللي سابك لوحدك زمان.

قالت:

— إنت ما سبتنيش بإرادتك.

— بس كنت غايب عن حاجات كتير قبل الطلاق.

سكتت.

كان صادق.

قال:

— كنت فاكر إن الفلوس والشغل هم دوري. ماكنتش فاهم إن وجودي نفسه مهم.

نغم بصت لبنتها النائمة.

— وأنا غلطت.

طارق اتفاجئ.

قالت:

— كان لازم أفضل أحاول أوصلك. كان لازم ما أخليش الخوف يقرر مكاني خمس سنين.

— إنتِ كنتِ لوحدك.

— ده مش معناه إني ما غلطتش.

سكتوا.

ثم قالت:

— ممكن نحاول.

طارق ما ابتسمش حتى.

كأنه خايف الحركة تبوظ اللحظة.

— بجد؟

ضحكت.

— متخلينيش أغير رأيي.

ضحك.

— خلاص سكت.

بدأوا من الصفر.

خروجة بسيطة.

قهوة.

كلام.

مش كزوجين سابقين.

كراجل وست بيتعرفوا على بعض من جديد.

طارق اكتشف إن نغم اتغيرت.

بقت أقوى.

ونغم اكتشفت إن طارق اتغير هو كمان.

بقى يسمع.

بقى يسأل.

وبقى يعرف إن كلمة «لأ» مش بداية معركة.

وبعد شهور…

كانوا قاعدين في نفس الصيدلية اللي اتقابلوا فيها صدفة.

نغم بصت حواليها وضحكت.

— غريبة.

— إيه؟

— كل حاجة بدأت من هنا تاني.

طارق قال:

— لأ.

— أمال؟

— بدأت لما زينة قالتلك «متعيطيش».

ابتسمت.

قال:

— الجملة دي فوقتني.

سكت لحظة.

ثم طلع علبة صغيرة.

نغم اتجمدت.

— طارق…

— استني.

فتحها.

جواها خاتم بسيط.

مش ضخم.

مش استعراض.

قال:

— أول مرة اتجوزنا، كنت فاكر إن الحب كفاية.

بصلها.

— المرة دي عارف إن الحب لوحده مش كفاية. محتاج احترام، وثقة، ووجود… ومحتاج إننا نختار بعض كل يوم.

دموعها نزلت.

— وأنا مش بطلب منك تنسي اللي حصل.

مد إيده.

— بطلب منك نبدأ حاجة جديدة.

وفجأة جه صوت من تحت الترابيزة:

— وافقي يا ماما.

طارق ونغم بصوا تحت.

زينة كانت مستخبية وبتضحك.

نغم شهقت:

— زينة!

خرجت البنت.

— بابا قالي أستخبى.

نغم بصت لطارق.

— حتى طلب الجواز عامل فيه مؤامرة؟

ضحك.

— دي آخر مؤامرة، وعد.

نغم بصت للخاتم.

ثم له.

وقالت:

— موافقة.

زينة صرخت:

— ييييه!

والصيدلي نفسه بص ناحيتهم وضحك.

نغم مدت إيدها.

طارق لبسها الخاتم.

لكن قبل ما يقوم…

زينة حطت إيدها فوق إيديهم.

وقالت:

— يعني هنعيش إحنا التلاتة مع بعض؟

طارق قال:

— لو ماما وافقت.

نغم ابتسمت.

— هنعيش إحنا التلاتة مع بعض.

زينة حضنتهم.

بعد شهرين…

ماعملوش فرح كبير.

نغم ماكانتش عايزة قاعة ضخمة ولا مئات الضيوف.

عملوا عقد قران بسيط وسط ناس قليلة.

وزينة كانت واقفة بينهم بفستان أبيض صغير.

بعد ما خلصوا، شدت جاكيت طارق.

— بابا.

— نعم؟

— عندي سؤال.

— قولي.

— إنت دلوقتي جوز ماما؟

ضحك.

— أيوه.

— وأبويا؟

— أيوه.

فكرت شوية.

— يعني مينفعش تمشي خالص.

طارق نزل لمستواها.

افتكر أول مرة شافها في الصيدلية.

وشها الشاحب.

الحذاء الوردي.

وصوتها وهي بتقول لأمها إنها ممكن تستغنى عن العلاج.

حضنها.

— مش ماشي.

قالت:

— وعد؟

— وعد.

نغم كانت واقفة وراهم.

قالت وهي بتضحك:

— خلي بالك… هي بتفتكر الوعود كلها.

طارق مد إيده لنغم.

— وأنا المرة دي كمان هفتكر.

مسكت إيده.

بعد سنة…

في صباح شتوي، كانت نغم واقفة في المطبخ.

طارق بيحاول يعمل فطار.

وزينة قاعدة على الكرسي بتراقبه.

قالت:

— بابا، البيضة اتحرقت.

— دي مش محروقة.

— سودة.

— دي طريقة جديدة.

دخلت نغم وضحكت.

— ابعد عن البوتاجاز.

طارق قال:

— محدش مقدر مواهبي في البيت ده.

زينة ردت:

— عشان معندكش مواهب في الطبخ.

طارق حط إيده على قلبه.

— حتى بنتي؟

جريت زينة حضنته.

— بس بحبك.

قال:

— خلاص سامحتك.

نغم حطت الأطباق على الترابيزة.

وبصت لهم.

من سنين كانت فاكرة إن أسعد أيام حياتها انتهت يوم خرجت من الفيلا وهي حامل.

ماكانتش تعرف إن الحياة ممكن تتكسر…

وبعدين تتبني بشكل مختلف.

طارق قرب منها.

— سرحانة في إيه؟

قالت:

— في الصيدلية.

ابتسم.

— لسه؟

— ساعات بفكر… لو المطر ما نزلش اليوم ده؟

طارق بص لزينة.

ثم قال:

— كنت هدور عليكم.

نغم رفعت حاجبها.

— بعد خمس سنين؟

قال:

— أهو القدر اختصر عليا الطريق.

زينة قالت:

— أنا السبب.

طارق شالها.

— إنتِ أحلى حاجة حصلت في الطريق كله.

زينة حضنت رقبته.

وبعدين قالت:

— بابا؟

— نعم؟

— أنا بطلت أعيى كتير.

طارق ابتسم.

— الحمد لله.

قالت:

— بس ماما ساعات بتعيط.

بص لنغم بسرعة.

— بتعيطي؟

نغم ضحكت ومسحت دمعة كانت نزلت فعلًا.

— دي دموع فرح.

زينة فكرت.

— يعني فيه عياط حلو؟

نغم قربت منها.

— أيوه.

طارق حاوط الاتنين بدراعه.

وقال:

— بس كفاية عياط في البيت ده.

زينة ضحكت.

— خلاص.

وبين ضحكتها وضحكة أمها…

طارق فهم أخيرًا إن أغلى حاجة رجعتله ماكانتش شركة ولا فلوس ولا ميراث.

كانت بنت صغيرة قالت لأمها في صيدلية مزدحمة:

«ماما… متعيطيش.»

جملة محدش سمعها غيره.

لكنها كانت كفاية…

عشان ترجعه لعيلته.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى